أصبح التحول الرقمي محركًا رئيسًا لتحديث التعليم العالي في أفريقيا، وقد وثقت الأدبيات على نطاق واسع دمج تقنيات المعلومات والاتصالات في الممارسات التدريسية، غير أن اهتمامًا أقل أولي لكيفية تطور هذا التبني التقني إلى عمليات تحول رقمي أوسع قادرة على إعادة تشكيل الممارسات التربوية والنماذج المؤسسية ذاتها، وتبرز هذه الفجوة بصورة خاصة في تعليم أفريقيا جنوب الصحراء حيث ما تزال الدراسات المقارنة التجريبية محدودة
وتستند هذه الدراسة إلى نظرية انتشار الابتكارات لروجرز وأعمال هوبرمان حول التغير التعليمي لتفحص كيفية إدراك الفاعلين الأكاديميين للتحول الرقمي بوصفه محركًا للابتكار التربوي في التعليم العالي الإيفواري، عبر مقارنة حالتين مؤسسيتين مختلفتين في طبيعتهما، بما يسمح بتمييز التكامل التقني من التحول الرقمي الأشمل وتمحيص دور السياق المؤسسي في هذا التمييز
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى الإجابة عن سؤال كيفية إدراك الفاعلين الأكاديميين لآثار التحول الرقمي في الابتكار التربوي، واعتمدت دراسة حالة مقارنة بين الجامعة الافتراضية في ساحل العاج والمعهد التقني العالي، ومنهجًا مختلطًا جمع البيانات الكمية والنوعية وحللهما معًا، فحللت البيانات الكمية باختبارات لا معلمية شملت اختبار مان ويتني واختبار كروسكال واليس وبنماذج انحدار، وخضعت البيانات النوعية للتحليل الموضوعي، بما أتاح مقارنة مستويات تبني ممارسات التدريس الهجين ومحركات هذا التبني عبر المؤسستين
ثانيًا: أبرز النتائج
1، كشفت النتائج فروقًا مؤسسية دالة في تبني ممارسات التدريس الهجين، إذ ظهرت مستويات التبني أعلى لدى الجامعة الافتراضية مقارنة بالمعهد التقني العالي
2، وبرز السياق المؤسسي بوصفه أقوى متنبئ بتبني الممارسات الرقمية، بينما مارست الخصائص الفردية للفاعلين الأكاديميين تأثيرًا محدودًا فحسب
3، وأشارت الأدلة النوعية إلى أن التحول الرقمي يتجاوز مجرد دمج التقنيات، إذ يولد ابتكارات تربوية تعزز إمكانية الوصول والمرونة والتفاعلية وانخراط المتعلمين في التعلم
4، وبينت المقارنة أن المؤسسة المصممة أصلًا للتعليم الافتراضي تتقدم في التبني على مؤسسة تقليدية تضيف التقنية إلى بنيتها القائمة، بما يبرز ثقل التصميم المؤسسي والبنية التنظيمية في مسار التحول
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسهم هذه الدراسة في الأدبيات بتمييزها التجريبي بين التكامل التقني وعمليات التحول الرقمي الأوسع، وبإظهارها كيفية تشكيل الظروف المؤسسية لنشوء الابتكار التربوي في سياق تعليم عال أفريقي، وهي رسالة ذات وزن لصانعي السياسات في بلدان نامية كثيرة ومنها بلدان عربية تسعى لرقمنة جامعاتها، إذ تحذر من اختزال التحول في شراء الأجهزة والمنصات بينما العامل الحاسم هو بيئة المؤسسة وحوكمتها واستعدادها التنظيمي، وتفيد الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في تبني المناهج المختلطة ودراسات الحالة المقارنة عند فحص التحول الرقمي في مؤسساتهم، مع التنبه إلى أن النتائج مستمدة من مؤسستين في بلد واحد ولا تعمم بلا حذر على سياقات مغايرة
وتتسق هذه النتائج مع أدبيات التغير التعليمي التي تؤكد أن الابتكارات لا تنتشر بقرارات إدارية وحدها، بل حين توفر المؤسسة بنية وحوافز وثقافة تجعل التجريب آمنًا ومكافأ، وهو ما يفسر تقدم مؤسسة ولدت رقمية في التبني على مؤسسة تحاول رقمنة عادات راسخة، فالثانية تدفع كلفة مزدوجة تتمثل في تعلم التقنية وإعادة تعلم التنظيم معًا
وعلى صعيد البحث العربي يقدم الإطار المستخدم في الدراسة، الممتد من نظرية انتشار الابتكارات إلى أدبيات التغير التعليمي، عدسة جاهزة لدراسة تحولات جامعات المنطقة نحو التعلم المدمج والجامعات الافتراضية، لا سيما حين تقترن بتحليلات مؤسسية تقارن بين جامعات عريقة وأخرى ناشئة رقمية المنشأ، وهي مقارنات ما تزال نادرة في الأدبيات العربية رغم اتساع الحاجة إليها
وخلاصة القول إن الانتقال من دمج تقنيات المعلومات والاتصالات إلى تحول رقمي حقيقي في التعليم العالي الإيفواري تقوده الظروف المؤسسية أكثر مما تقوده خصائص الأفراد، ومتى تحقق هذا التحول فإنه يثمر ابتكارات تربوية توسع الوصول والمرونة والتفاعل، وهو درس يتجاوز حدود الحالة المدروسة إلى أنظمة تعليمية مشابهة








