يتغلغل الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة في التعليم الطبي ودعم القرار السريري والممارسة المستقبلية للأطباء، ولم يعد إعداد طالب الطب مكتملًا بفهم تقني وحده، بل صار محو أمية الذكاء الاصطناعي يشمل الفهم التقني والكفاءة العملية والوعي الأخلاقي والحكم القيمي والمشاركة المسؤولة، وتتشكل هذه الكفاءة داخل سياقات ثقافية تحمل توجهات قيمية راسخة قد ترتبط بمستوى ما يدركه الطلاب من محو أميتهم في هذا المجال
وقد انشغلت البحوث السابقة غالبًا بالمعارف والاتجاهات والجاهزية، بينما ظل سؤال كيفية ارتباط التوجهات القيمية الثقافية بمحو أمية الذكاء الاصطناعي المدرك لدى طلاب الطب أقل فحصًا، وتتصدى هذه الدراسة لهذا السؤال بمنهجية تشكيلية لا تبحث عن أثر صاف لكل قيمة على حدة، بل عن الشروط الضرورية والتشكيلات الكافية من القيم التي تصاحب ارتفاع محو الأمية المدرك
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص كيفية ارتباط التوجهات القيمية المطمورة ثقافيًا بمحو أمية الذكاء الاصطناعي المدرك لدى طلاب الطب الصينيين كما يقاس بأداة تقرير ذاتي، وشملت عينة مقطعية قوامها ألف وخمسمائة طالب طب في جامعة شاملة بمقاطعة خنان الصينية، وقيس محو أمية الذكاء الاصطناعي بمقياس من اثني عشر بندًا تمثل درجاته محو الأمية المدرك ذاتيًا، وقيست التوجهات القيمية باستبانة القيم الصينية المؤلفة من اثنين وثلاثين بندًا والموزعة على ثمانية أبعاد قيمية، وطبق تحليل الشروط الضرورية لاختبار ما إذا كان أي بعد قيمي شرطًا لازمًا للانتماء إلى مجموعة محو الأمية المرتفع، وتحليل المجموعات الضبابية النوعي المقارن للكشف عن التشكيلات الكافية المرتبطة بهذا الانتماء
ثانيًا: أبرز النتائج
1، لم يستوف أي بعد قيمي منفرد معيار الضرورة المجموعية للانتماء إلى مجموعة محو أمية الذكاء الاصطناعي المدرك المرتفع، ولم يبلغ أي شرط منفرد عتبة اتساق الضرورة في تحليل المجموعات الضبابية البالغة 0.90
2، وحدد التحليل أربع تشكيلات كافية مرتبطة بارتفاع محو الأمية المدرك، وبلغ اتساق الحل الكلي 0.867 وتغطيته 0.383، بما يعني أن طرقًا قيمية متعددة قد تقود إلى النتيجة ذاتها
3، وتكرر ظهور بعدي الانضباط الذاتي الأخلاقي والمصلحة العامة في التشكيلات الكافية بوصفهما شرطين جوهريين أو طرفيين، بما يمنحهما مكانة خاصة بين الأبعاد القيمية الثمانية
4، وخلصت النتائج إلى أن ارتفاع محو الأمية المدرك ارتبط بتركيبات متعددة من التوجهات القيمية لا بتوجه قيمي واحد مهيمن، وهو ما ينسجم مع منطق السببية التشكيلية الذي تبنته الدراسة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توجه هذه النتائج مصممي مناهج الذكاء الاصطناعي الطبي إلى عدم الاكتفاء بالتدريب التقني على الأدوات والخوارزميات، بل دمج التأمل الأخلاقي والقيم المهنية الموجهة نحو الصالح العام داخل المقررات، فحضور الانضباط الذاتي الأخلاقي والمصلحة العامة في التشكيلات المرتبطة بارتفاع محو الأمية المدرك يوحي بأن التربية القيمية قد تكون شريكًا للتدريب المهاري لا زخرفًا ملحقًا به، كما تقدم الدراسة للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا نموذجًا لتطبيق التحليلات التشكيلية في موضوعات تربوية وصحية تتسم بتعدد المسارات المؤدية إلى النتيجة الواحدة، مع التنبه إلى أن الارتباطات مرصودة في سياق ثقافي ومؤسسي محدد وقائمة على إدراك ذاتي لا على قياس أدائي فعلي لمحو الأمية
ويلفت منهج التحليل التشكيلي ذاته انتباه الباحثين إلى بديل مهم عن النماذج الانحدارية التقليدية، فحين تكون الظاهرة نتاج تراكب شروط متعددة لا يعمل أي منها منفردًا تصبح خرائط التشكيلات الكافية أداة أدق لفهم الواقع وتصميم تدخلات واقعية تراعي تباين الخلفيات القيمية للمتعلمين بدل افتراض مسار واحد يناسب الجميع
وخلاصة القول إن محو أمية الذكاء الاصطناعي المدرك لدى طلاب الطب في هذه الدراسة لم يرتبط بقيمة منفردة ضرورية، بل بتشكيلات قيمية متعددة برز فيها الانضباط الذاتي الأخلاقي والمصلحة العامة، بما يدعو إلى بحوث لاحقة تختبر ما إذا كانت مناهج الطب قادرة فعلًا على دمج التدريب التقني بالتأمل الأخلاقي والقيم المهنية العامة








