تتشكل قرارات الطلاب الدوليين بشأن وجهات دراستهم بعوامل تتجاوز جودة الجامعات وكلفتها، إذ تتداخل فيها مشاعر وتصورات نفسية تجاه البلد المضيف منها مشاعر العداء التي قد يحملها الطالب نحو بلد ما لأسباب سياسية أو تاريخية أو اقتصادية أو غيرها، وقد ترتبط هذه المشاعر بتصوراته للمخاطر وصورة البلد في ذهنه ثم بنيته الفعلية لاختيار الدراسة فيه، وتزداد أهمية فهم هذه الديناميات في عالم تتنافس فيه الجامعات على استقطاب الطلاب الدوليين وتتأثر فيه حركة التنقل الطلابي بالتوترات بين الدول، وتفحص هذه الدراسة كيفية ارتباط عداء الطلاب الجامعيين الصينيين بتصوراتهم النفسية ونياتهم لاختيار الدراسة في الولايات المتحدة نموذجًا
وتتصاعد أهمية هذا الموضوع مع تحول التعليم الدولي إلى صناعة عالمية كبرى تتنافس فيها الدول على الطلاب بوصفهم مصدر دخل ونفوذ ثقافي وروابط مستقبلية، فحين تتوتر العلاقات السياسية بين دولتين لا تتأثر التأشيرات والاتفاقيات وحدها بل تتسلل التوترات إلى وجدان الطلاب وأسرهم وتصوراتهم عن الأمان والترحيب في البلد المضيف، ويصبح فهم العداء بوصفه بناء نفسيًا متعدد الأبعاد له جذور تاريخية وسياسية واقتصادية شرطًا لأي استراتيجية استقطاب ناجحة ومستدامة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص كيفية ارتباط مشاعر العداء لدى طلاب البكالوريوس الصينيين بتصوراتهم النفسية ونياتهم لاختيار الدراسة في الولايات المتحدة، وجمعت 278 استجابة صالحة من طلاب صينيين ملتحقين بجامعة خاصة في مكاو بالصين، وحللت البيانات بأسلوبين متكاملين هما نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية وتحليل الشروط الضرورية، بما وسع العملية التحليلية وجمع بين فحص الارتباطات العامة وتحديد الشروط التي لا غنى عنها لتشكل العداء الكلي لدى الطلاب
ويجمع التصميم التحليلي المزدوج بين قوتين متكاملتين، فنمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية تختبر شبكة الارتباطات بين العداء وتصورات المخاطر وصورة البلد ونية الاختيار في نموذج واحد، بينما يضيف تحليل الشروط الضرورية سؤالًا مختلفًا عما لا يمكن أن يتشكل العداء الكلي بغيابه من الأبعاد، وهو تمييز مهم عمليًا لأن معالجة شرط لازم قد تكون أولى من تحسين عوامل مؤثرة عادية، واختيار الطلاب الصينيين في مكاو ميدانًا يتيح دراسة طلاب منخرطين فعليًا في تعليم دولي ويفكرون في وجهات لاحقة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، ارتبط العداء الكلي لدى الطلاب ارتباطًا إيجابيًا بتصورات المخاطر، فكلما ازداد العداء نحو الولايات المتحدة ازداد إدراك الطالب لمخاطر الدراسة فيها
2، ارتبط العداء الكلي ارتباطًا سلبيًا بتصورات صورة البلد وبنية اختيار الدراسة في الولايات المتحدة، فالعداء يضعف صورة البلد المضيف ويقلل إقبال الطالب عليه وجهة دراسية
3، حدد تحليل الشروط الضرورية أبعادًا متنوعة للعداء بوصفها شروطًا لازمة للعداء الكلي، وهي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية والتاريخية والعسكرية
4، برز العداء السياسي والعداء التاريخي أهم عاملين مرتبطين بالعداء الكلي لدى الطلاب، ما يشير إلى مركزية الذاكرة التاريخية والمواقف السياسية في تشكيل مشاعر الطلاب تجاه البلد المضيف
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة دلالات عملية لمؤسسات التعليم العالي الأمريكية لفهم نفسية الطلاب الصينيين الدوليين وحركتهم، بما يمكنها من تنفيذ استراتيجيات أفضل لاستقطابهم واستبقائهم، فمعالجة تصورات المخاطر وتحسين صورة البلد عبر تواصل ثقافي وبرامج تبادل تخفف وطأة العداء السياسي والتاريخي قد ترفع إقبال الطلاب، كما تنبه الدراسة إدارات القبول الدولي إلى أن قرارات الطلاب لا تحركها المزايا الأكاديمية وحدها بل تتداخل فيها مشاعر جماعية عميقة، ويفيد الباحثين في تنقل الطلاب الدوليين نموذج تحليلي مزدوج يجمع بين النمذجة البنائية وتحليل الشروط الضرورية لرسم صورة أدق للعوامل النفسية المؤثرة في اختيار وجهات الدراسة
وتستفيد جامعات عربية ودولية تسعى إلى استقطاب طلاب من ثقافات ومناطق تشوب علاقات بلدانها توترات من هذه النتائج، إذ تنصحها بدراسة الصور الذهنية والمشاعر الجماعية لدى جمهورها المستهدف قبل إطلاق حملات التسويق، وببناء جسور ثقافية وأكاديمية طويلة الأمد عبر شراكات بحثية وبرامج تبادل وشبكات خريجين تخفف وطأة الصور النمطية، كما تنبه الدراسة الباحثين في تسويق التعليم العالي إلى إدماج المتغيرات النفسية والسياسية في نماذج اختيار الطلاب لوجهاتهم بدل الاقتصار على عوامل الجودة والسعر والمنح
وخلاصة القول إن العداء الذي يحمله الطالب في وجدانه قد يغلق أبواب جامعات بأكملها قبل أن يطلع على برامجها، وإدراك الجامعات لهذا البعد النفسي وسبل تخفيفه شرط لمنافسة عادلة على الطلاب الدوليين في عالم متغير العلاقات








