يواجه طلاب الجامعات في الصين اليوم صعوبات متصاعدة في سوق العمل، إذ تشتد المنافسة على الفرص وتتغير متطلبات المهن بوتيرة سريعة، ويغدو الاستكشاف المهني ضرورة ملحة تمكن الطالب من التعرف على ذاته واهتماماته والفرص المتاحة قبل التخرج، ويتأثر هذا الاستكشاف بعوامل شخصية ومهنية متداخلة منها الشخصية الاستباقية التي تدفع الفرد إلى المبادرة وتغيير بيئته بدل التكيف السلبي معها، والكفاءة الذاتية لاتخاذ القرار المهني التي تعكس ثقة الطالب بقدرته على اتخاذ قرارات مهنية صائبة، والنضج المهني الذي يعبر عن جاهزية الفرد للتعامل مع مهام التطور المهني المناسبة لمرحلته، وتسعى هذه الدراسة إلى كشف العلاقات بين هذه المتغيرات وآليات تأثيرها في الاستكشاف المهني
ويحظى موضوع توظيف الخريجين باهتمام متزايد لدى الباحثين في علم النفس المهني والإرشاد الجامعي، إذ تمثل سنوات الدراسة مرحلة تشكل الهوية المهنية واتخاذ قرارات مصيرية بشأن التخصص والمسار الوظيفي، ويتعرض الطالب خلالها لضغوط أسرية ومجتمعية واقتصادية قد تربك استكشافه لذاته وللسوق، ومن هنا تنبع أهمية دراسة العوامل الداخلية القابلة للتنمية كالسمات الشخصية والكفاءات الذاتية، لأن الجامعات تستطيع التأثير فيها بالتدريب والإرشاد بينما تعجز عن تغيير ظروف السوق ذاتها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقات بين الشخصية الاستباقية والنضج المهني والكفاءة الذاتية لاتخاذ القرار المهني والاستكشاف المهني لدى طلاب الجامعات الصينيين، واعتمدت تصميمًا كميًا طبقت فيه نمذجة المعادلات البنائية لاختبار التأثيرات المباشرة وغير المباشرة بين المتغيرات، مع ضبط أثر المستوى الدراسي للطلاب بوصفه متغيرًا مصاحبًا قد يؤثر في النتائج، وبذلك أمكن التحقق من الدور الوسيط الذي تؤديه الكفاءة الذاتية والنضج المهني في العلاقة بين الشخصية الاستباقية والاستكشاف المهني
ويتميز هذا التصميم الكمي بقدرته على اختبار شبكة علاقات متزامنة بين أربعة متغيرات نفسية ومهنية، فبدل الاكتفاء بارتباطات ثنائية متفرقة يقدم النموذج البنائي صورة متكاملة للمسارات المباشرة والوسيطة، ويعزز ضبط المستوى الدراسي من دقة الاستنتاجات لأنه يفصل أثر السمات والكفاءات عن أثر التقدم الطبيعي للطالب عبر سنوات الدراسة، وهو تقدم قد يرفع بذاته مستويات النضج والاستكشاف لدى الطلاب الأكبر سنًا
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت الشخصية الاستباقية تأثيرًا إيجابيًا دالًا في الاستكشاف المهني، فكلما كان الطالب أكثر مبادرة وتصميمًا على إحداث التغيير ازداد انخراطه في أنشطة استكشاف مهنته المستقبلية
2، أظهرت الكفاءة الذاتية لاتخاذ القرار المهني تأثيرًا إيجابيًا دالًا في الاستكشاف المهني، إذ تدفع الثقة بالقدرة على اتخاذ القرار الطالب إلى جمع المعلومات وتجربة الخيارات المهنية بجرأة أكبر
3، توسطت الكفاءة الذاتية لاتخاذ القرار المهني العلاقة بين الشخصية الاستباقية والاستكشاف المهني، فالشخصية الاستباقية تعزز ثقة الطالب بقراراته المهنية، وهذه الثقة بدورها تنشط سلوكه الاستكشافي
4، لم يظهر النضج المهني تأثيرًا وسيطًا دالًا في العلاقة بين الشخصية الاستباقية والاستكشاف المهني، ولم يبرز ضمن العوامل ذات التأثيرات الدالة المباشرة في الاستكشاف كما ظهر في النموذج
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد النتائج أن تنمية الشخصية الاستباقية والكفاءة الذاتية لاتخاذ القرار المهني لدى الطلاب قد تكون مدخلًا فعالًا لتعزيز استكشافهم المهني وقابليتهم للتوظيف، ولذا ينبغي أن تراعي البرامج الجامعية الموجهة لتحسين الاستكشاف المهني والكفاءة المهنية هذين العاملين في تصميم أنشطتها، كأن تتضمن تدريبات على اتخاذ القرار المهني وخبرات عملية ترفع ثقة الطالب بنفسه وتشجعه على المبادرة، كما تفيد المرشدين المهنيين في توجيه جهودهم نحو بناء الثقة المهنية بدل الاكتفاء بتقديم المعلومات عن سوق العمل، وتمنح الباحثين أساسًا لدراسة عوامل وسيطة أخرى قد تفسر العلاقة بين سمات الشخصية والسلوك المهني الاستكشافي
وتمتد دلالات النتائج إلى سياسات التعليم العالي في بيئات عربية تواجه تحديات توظيف مشابهة لخريجيها، إذ يمكن استلهام التجربة في بناء وحدات إرشاد مهني تقيس الكفاءة الذاتية للقرار لدى الطلاب وتتدخل مبكرًا لدى منخفضيها، كما تدعو النتائج الباحثين إلى فحص متغيرات أخرى كالدعم الاجتماعي والتخصص الدراسي وسوق العمل المحلي، ودراسة النضج المهني بأبعاده الفرعية فقد يخفي غياب أثره الكلي أدوارًا جزئية لم تظهر في النموذج المختبر
وخلاصة القول إن الاستكشاف المهني لدى طلاب الجامعات يرتبط بخصائص قابلة للتنمية، فالطالب الاستباقي الواثق من قراراته المهنية أكثر انخراطًا في استكشاف مستقبله، وهو ما يجعل الاستثمار في بناء هذه الخصائص أثناء الدراسة الجامعية ركيزة لتحسين فرص الخريجين في سوق عمل متغير








