يُعد سرطان الثدي ثلاثي السلبية نمطًا فرعيًا عدوانيًا من سرطان الثدي ذا مآل سيئ، وترتفع معدلات حدوثه لدى النساء الأمريكيات من أصول أفريقية ولدى النساء المنحدرات من أفريقيا جنوب الصحراء، غير أن تقدير تكرار هذا السرطان بحسب أصول النساء يصطدم في فرنسا بقيود قانونية تحظر الحصول على بيانات تتعلق بالعرق أو الإثنية أو الجنسية في سجلات السرطان والملفات الطبية، وهي قيود نابعة من نهج تاريخي كوني في المواطنة الفرنسية يرى في جمع البيانات العرقية والإثنية مساسًا بمبدأ المساواة المجردة، فتنشأ عنه حالة يصفها الباحثون بالعمى تجاه العرق والإثنية داخل منظومة الصحة العامة ذاتها
وتحمل هذه الدراسة أهمية تتجاوز السياق الفرنسي إلى كل نظام صحي يجد نفسه أمام فوارق صحية مشتبه بها لكنه يفتقر إلى البيانات اللازمة لقياسها، وهي معضلة يعرفها الباحثون العرب وطلاب الدراسات العليا في علم الأوبئة الاجتماعي حين يدرسون أثر الأصل أو اللغة أو الوضع الاجتماعي في الوصول إلى الرعاية، إذ تبين الدراسة كيف يمكن للمسوح مجهولة الهوية والبحث الإثنوغرافي أن يلتفا جزئيًا على غياب البيانات الروتينية دون خرق الأطر القانونية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى تقدير تكرار سرطان الثدي ثلاثي السلبية بحسب أصول النساء وإلى فهم العوامل المفسرة لتأخر التشخيص لدى بعض المجموعات، واعتمدت مسارين منهجيين متكاملين، أولهما مسح إحصائي مجهول الهوية أجري على سلسلة حالات من مستشفى واحد شملت 780 امرأة مصابة بسرطان الثدي ممن يتابعن العلاج في مستشفى جامعي في باريس، وثانيهما دراسة إثنوغرافية أجريت لسنوات عدة مع نساء أفريقيات مصابات بسرطان الثدي في منطقة باريس لكشف التجارب المعيشية والتصورات الثقافية والمسارات العلاجية التي تقف خلف الأرقام، بما في ذلك مستوى الوعي بالمرض وتصورات أسبابه واللجوء السابق إلى المعالجات المحلية وعلاقة المريضات بالمهنيين الصحيين وبمنظومة الرعاية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهر المسح أن سرطانات الثدي ثلاثية السلبية كانت أكثر شيوعًا بما لا يقل عن ثلاثة أضعاف لدى المريضات المولودات في أفريقيا جنوب الصحراء مقارنة بالمريضات المولودات في فرنسا
2، راجعت النساء المولودات في أفريقيا جنوب الصحراء الخدمات الصحية وهن في مرحلة أشد تقدمًا من المرض مقارنة بالمولودات في فرنسا، بما يفاقم من خطورة المآل لديهن
3، كشفت الدراسة الإثنوغرافية عن عوامل مفسرة عدة، في مقدمتها انخفاض الوعي بسرطان الثدي وتصورات لأسباب المرض متميزة عن التفسيرات الطبية الحيوية السائدة
4، برز في تجارب النساء وزن كبير لمشاعر الخزي والسرية المحيطة بالمرض، واللجوء السابق إلى المعالجات المحلية والتقليدية قبل الوصول إلى الرعاية الطبية المتخصصة
5، واجهت النساء صعوبات واضحة في التواصل مع المهنيين الصحيين وفي الإبحار داخل منظومة الرعاية الصحية الفرنسية وفهم مساراتها وإجراءاتها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
على الرغم من أن سرطان الثدي ثلاثي السلبية يعد أولوية في الصحة العامة، فإنه يمثل مثالًا رمزيًا على الحدود التي ينتجها العمى الفرنسي تجاه العرق والإثنية في مجالات الصحة العامة وعلم الأوبئة والوقاية والرعاية الصحية، فحين لا تُقاس الفوارق لا يمكن معالجتها بسياسات موجهة، وتتحول المساواة الشكلية في التعامل إلى عامل يحجب عدم المساواة الفعلية في النتائج، وتفيد هذه الخلاصة صناع السياسات والباحثين في سياقات أخرى بأن تصميم أنظمة البيانات الصحية قرار ذو آثار عدالة عميقة، وأن مقاربات مثل المسوح مجهولة الهوية والبحوث النوعية الطولية يمكن أن توفر أدلة مرحلية ريثما تتطور الأطر القانونية والأخلاقية الحاكمة لجمع بيانات الأصول بطريقة تحمي الخصوصية وتمنع الوصم في آن واحد
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تسلط الضوء على مفارقة مؤلمة، مجتمع يحرص على المساواة فيجد نفسه عاجزًا عن رؤية الفوارق التي تنال من بعض فئاته الأكثر هشاشة، وإن تجربتها تدعو الباحثين في كل مكان إلى الانتباه إلى ما لا تقوله البيانات الغائبة، وإلى توظيف المناهج المختلطة إحصائية وإثنوغرافية في كشف الفوارق الصحية الخفية وبناء تدخلات وقائية وعلاجية تراعي الثقافة واللغة وتجارب المرضى المعيشية








