يمثل فهم عوامل الخطر التي تقود عبء المرض في أي مجتمع نقطة الانطلاق لأي سياسة صحية رشيدة، إذ تتوزع هذه العوامل بين بيئية ومهنية وسلوكية واستقلابية، ويختلف وزنها النسبي بين الرجال والنساء وعبر الزمن مع تحولات أنماط الحياة والتحضر والشيخوخة، وتقدم هذه الدراسة صورة تحليلية منهجية لاتجاهات عوامل الخطر المنسوب إليها عبء المرض في المملكة العربية السعودية عبر ثلاثة عقود، مستندة إلى بيانات دراسة العبء العالمي للمرض لعام 2021، ومقاسة بقيم التعرض الملخصة وبمعدلات سنوات العمر المصححة باحتساب العجز لكل مئة ألف من السكان
وتنبع الأهمية المباشرة لهذه الدراسة للباحثين وصناع القرار في السعودية والمنطقة العربية من كونها ترصد تحولًا وبائيًا موثقًا بالأرقام، ينتقل فيه العبء الأكبر من المخاطر البيئية والمهنية التقليدية إلى المخاطر الاستقلابية والسلوكية المرتبطة بأنماط الحياة الحديثة، وتبرز فيها فوارق مستمرة بين الجنسين تستدعي استجابات مفصلة بحسب النوع الاجتماعي وليست سياسات موحدة للجميع، كما أنها توفر خط أساس كميًا يمكن البناء عليه في تقويم أثر المبادرات الوطنية لمكافحة السمنة والأمراض المزمنة خلال السنوات المقبلة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف العبء المنسوب إلى مجموعات عوامل الخطر المختلفة في السعودية، وهي العوامل البيئية والمهنية والسلوكية والاستقلابية، مصنفة بحسب الجنس وسنة القياس، ومقاسة بقيم التعرض الملخصة وبمعدلات سنوات العمر المصححة باحتساب العجز لكل مئة ألف نسمة، وقد بُنيت الدراسة بوصفها تحليلًا منهجيًا لبيانات دراسة العبء العالمي للمرض لعام 2021، إذ استُخرجت منها المعلومات الخاصة بعوامل الخطر المنسوب إليها عبء المرض في المملكة لتقدير الفروق في قيم التعرض ومعدلات سنوات العجز بين الإناث والذكور عبر السنوات المختلفة الممتدة بين عامي 1990 و2021، مع توثيق مؤشرات عدم اليقين الإحصائي المرافقة للتقديرات بما يتيح قراءة حذرة للفروق المرصودة بين السنوات والجنسين
ثانيًا: أبرز النتائج
1، لوحظ عبر السنوات تقدم مستدام في خفض سنوات العمر المصححة باحتساب العجز المنسوبة إلى مخاطر بيئية ومهنية محددة، مع انخفاض طفيف في بعض المخاطر السلوكية
2، تركز العبء الأعلى للمرض في عوامل الخطر الاستقلابية والسلوكية، وكان مؤشر كتلة الجسم عامل الخطر القائد لدى الجنسين معًا
3، ارتفع معدل سنوات العجز المعياري بحسب العمر لدى أصحاب مؤشر كتلة الجسم المرتفع بين عامي 1990 و2021 بنسبة 168.4 في المئة ليصل إلى 3436.23 لكل مئة ألف لدى الذكور، وبنسبة 125.2 في المئة ليصل إلى 2952.6 لكل مئة ألف لدى الإناث
4، سجلت قيم التعرض الملخصة المعيارية أعلى مستوياتها لدى الإناث ذوات مؤشر كتلة الجسم المرتفع بقيمة قدرها 57.98، ولدى الذكور بقيمة قدرها 50.75، بما يعكس انتشارًا واسعًا للتعرض لهذا العامل
5، كانت عوامل الخطر الاستقلابية المسهم الرئيس في وفيات الأمراض غير المعدية في السعودية خلال عام 2021
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكشف هذه النتائج عن فوارق صحية مستمرة بين الذكور والإناث في السعودية، وتؤكد الحاجة الملحة إلى بحوث وسياسات وتدخلات مفصلة بحسب الجنس تراعي التحديات الصحية الفريدة التي يواجهها كل منهما، فبينما يستدعي ارتفاع عبء مؤشر كتلة الجسم برامج وقائية واسعة في التغذية والنشاط البدني وإدارة الوزن، تختلف قنوات الوصول والرسائل الفعالة بين الرجال والنساء باختلاف أدوارهما الاجتماعية وبيئات عملهما، كما تفيد هذه الصورة الكمية الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في الصحة العامة بمنهجية قابلة للنقل إلى دول أخرى في المنطقة تعتمد بيانات العبء العالمي للمرض في رسم أولوياتها، مع ضرورة استكمالها ببيانات وطنية أدق حول المحددات الاجتماعية والسلوكية التي تفسر الفوارق المرصودة، ولا سيما مع تصاعد أعباء الأمراض المزمنة على ميزانيات الرعاية الصحية وخطط التحول الصحي الطموحة في المملكة
وخلاصة القول إن ثلاثة عقود من البيانات ترسم للمملكة مسارًا مزدوجًا، نجاحًا واضحًا في كبح مخاطر بيئية ومهنية تقليدية، وتحديًا متناميًا تقوده المخاطر الاستقلابية وفي مقدمتها ارتفاع مؤشر كتلة الجسم، وإن الاستجابة الفعالة لهذا التحدي تتطلب استراتيجيات تعزيز للصحة وخفض لعبء المرض تراعي الفروق بين الجنسين وتستثمر في الوقاية المبكرة قبل أن تتحول عوامل الخطر إلى أمراض مزمنة مكلفة بشريًا واقتصاديًا








