حين ترتفع تغطية التطعيم في مجتمع ما إلى مستويات عالية، تتغير طبيعة المشكلة الصحية المتبقية، إذ لم يعد السؤال من يقبل اللقاح ومن يرفضه بصورة عامة، بل ما الذي يميز الشريحة المتبقية التي لم تتلق التطعيم رغم توفره وانتشار الرسائل التوعوية، وتدور هذه الدراسة حول سؤال منهجي دقيق مفاده ما إذا كانت النماذج النفسية التقليدية، كنموذج المعتقدات الصحية ونموذج العوامل الثلاثة للثقة والتراخي والقيود، ما تزال قادرة على التمييز بين المطعمات وغير المطعمات في بيئات تجاوزت فيها تغطية لقاح فيروس الورم الحليمي البشري سبعين في المئة، وما إذا كان للعوامل البنيوية كأنظمة تسجيل الإقامة دور يفوق دور العوامل النفسية الفردية
وتفيد هذه الدراسة الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في الصحة العامة وعلم النفس الصحي بدرس منهجي مهم حول حدود المقاييس النفسية حين تنجح برامج التحصين، وحول ضرورة التفريق بين العوائق النفسية والعوائق البنيوية كالكلفة والوصول إلى الخدمة عند تصميم التدخلات، وهي قضية تتردد في كثير من برامج التطعيم في المنطقة العربية مع ارتفاع التغطية وتراجع أثر حملات الإقناع التقليدية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
أجرى الفريق مسحًا في الفترة بين أبريل من عام 2025 وفبراير من عام 2026 شمل 1257 امرأة تتراوح أعمارهن بين 18 و65 عامًا من ستة مجتمعات محلية في مدينة شنتشن الصينية، وجمع بيانات ديموغرافية ومقياسًا للمعتقدات الصحية مكونًا من 15 بندًا ومقياسًا للعوامل الثلاثة مكونًا من 12 بندًا وبيانات عن الدعم الاجتماعي ونية التطعيم المقاسة ببند واحد حول الاستعداد لتلقي اللقاح خلال الأشهر الستة المقبلة، إضافة إلى تاريخ التطعيم المبلغ عنه ذاتيًا وأسباب عدم التطعيم وقنوات المعلومات المفضلة، واستخدمت في التحليل اختبارات ت مع حساب حجوم الأثر، وتحليل مسار متعدد المجموعات بالمتغيرات المرصودة للمقارنة بين النساء بحسب حالة تسجيل الإقامة المعروفة بالهوكو، ومقارنات مقطعية لنسب التطعيم بين النساء مرتفعات النية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، بلغت نسبة التطعيم ضد الفيروس 70.0 في المئة بواقع 880 امرأة من أصل 1257، وبلغت نسبة إجراء فحص سرطان عنق الرحم 58.3 في المئة بين المشاركات
2، لم تختلف المطعمات عن غير المطعمات إلا في بنيين نفسيين من أصل عشرة أبنية وبحجوم أثر ضئيلة، هما القابلية المدركة للإصابة والكفاءة الذاتية بحجم أثر قدره 0.13 لكل منهما، ولم تختلف نية التطعيم اختلافًا دالًا إحصائيًا بين المجموعتين إذ بلغ متوسطها 3.72 لدى المطعمات و3.67 لدى غير المطعمات
3، كانت أبرز أسباب عدم التطعيم ارتفاع الكلفة بنسبة 42.3 في المئة، تلتها المخاوف المتعلقة بسلامة اللقاح بنسبة 33.8 في المئة من غير المطعمات
4، أظهر تحليل المسار مطابقة جيدة للبيانات، وارتبطت الحواجز المدركة سلبًا بنية التطعيم لدى النساء المسجلات خارج شنتشن بمعامل مسار قدره سالب 0.247، بينما لم يظهر هذا الارتباط لدى نساء شنتشن بمعامل قدره سالب 0.102، ومع ذلك لم يكن اختبار الدور المعدل لتسجيل الإقامة ذاته دالًا إحصائيًا
5، تصدرت الحسابات الرسمية على تطبيق وي تشات قنوات المعلومات المفضلة بنسبة 91.5 في المئة، تلتها الاستشارات المباشرة وجهًا لوجه مع الأطباء بنسبة 85.1 في المئة، ثم منصات الفيديو القصير بنسبة 76.5 في المئة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن مقاييس نموذج المعتقدات الصحية ونموذج العوامل الثلاثة تظهر عند مستوى تغطية قدره 70 في المئة صدقًا تمييزيًا محدودًا بين المطعمات وغير المطعمات، وأن عدم التطعيم المتبقي يرتبط أساسًا بحواجز الكلفة والسلامة ذات الطابع البنيوي، بينما بدا أثر تسجيل الإقامة في العلاقة بين الحواجز المدركة والنية مقترحًا لكنه غير دال إحصائيًا، ومن هنا تنبغي إعادة توجيه التدخلات نحو إزالة الحواجز البنيوية وتفصيل قنوات المعلومات بحسب تفضيلات الجمهور، وهي دلالات تهم مخططي برامج التحصين في الدول العربية الذين يواجهون شريحة متبقية عصية على الرسائل الإقناعية التقليدية، إذ تشير النتائج إلى أن خفض الكلفة وتيسير الوصول ومعالجة مخاوف السلامة بمعلومات موثوقة قد تكون أجدى من مزيد من حملات التوعية العامة
وخلاصة القول إن نجاح برامج التطعيم في بلوغ تغطية مرتفعة يغير من طبيعة التحدي ذاته، فيتحول من إقناع الجمهور الواسع إلى فهم الشريحة المتبقية ومعالجة عوائقها البنيوية، وإن المقاييس النفسية التقليدية مهما بلغت جودتها قد تعجز عن التقاط هذا التحول، مما يستدعي نماذج تفسيرية أوسع تجمع بين النفسي والاجتماعي والبنيوي في آن واحد








