أصبحت منصة تيك توك فضاء رقميًا مهمًا للتضامن بين الفئات الاجتماعية المهمشة والتعبير عن هوياتها، لكنها في الوقت ذاته فضاء تنتشر فيه القوالب النمطية والنكات المسيئة عبر إمكانات فريدة توفرها المنصة مثل خاصية استخدام هذا الصوت التي تتيح إعادة تدوير الأصوات والمشاهد على نطاق واسع، وتتناول هذه الدراسة فئة اجتماعية متنامية هم متعددو الأعراق من أصول سوداء وآسيوية معًا والمعروفون باسم البلاسيانيين، لتفحص كيفية استخدامهم للمنصة وكيفية حديثهم عن تجاربهم العرقية بلغة الفكاهة والسخرية
وتهم الدراسة الباحثين وطلاب الدراسات العليا في دراسات الإعلام والعرق والهوية والثقافة الرقمية، لأنها توثق لحظة نشوء ثقافة رقمية خاصة بفئة هجينة الهوية كثيرًا ما تختزل في التصنيفات الأحادية السائدة، كما تقدم نموذجًا منهجيًا لدراسة الفكاهة بوصفها أداة مقاومة وتفاوض هوياتي على المنصات، وهي عدسة تحليلية صالحة للباحثين العرب المهتمين بدراسة تمثيلات الأقليات والهويات المركبة في الفضاءات الرقمية العربية والعالمية على حد سواء
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
حللت الدراسة 56 مقطع فيديو على منصة تيك توك، منها 47 مقطعًا لصناع محتوى بلاسيانيين وتسعة مقاطع لصناع محتوى من غير البلاسيانيين، واعتمدت على تحليل المحتوى وعلى تصنيف بيرغر لأساليب الفكاهة الذي يضم 45 أسلوبًا فكاهيًا، للكشف عن الموضوعات المشتركة والاستراتيجيات التي يوظفها البلاسيانيون وغيرهم في مقاطعهم، وبخاصة ما يتصل منها بتجارب التمييز والتصنيف العنصري وبناء الهوية الجماعية داخل المنصة وخارجها
ثانيًا: أبرز النتائج
1، خلافًا لمعظم منصات التواصل الاجتماعي، أنتج البلاسيانيون أنفسهم غالبية مقاطع العينة، وأشار أكثر من نصف مقاطعهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى تجارب عنصرية واجهها صانع المحتوى، مستخدمين أساليب مثل السخرية اللطيفة والقوالب النمطية والتلاعب بالألفاظ، ما يوحي بنشوء ثقافة بلاسيانية خاصة على تيك توك تحاكي عناصر من ثقافة تويتر الأسود المعروفة
2، اعتمد البلاسيانيون في مقاطعهم غالبًا على القوالب النمطية الخاصة بالسود أحاديي العرق وبالآسيويين أحاديي العرق على حد سواء، وهو ما يكشف الأبعاد المتعددة لكيفية استهدافهم من اتجاهين مختلفين في وقت واحد
3، اعتمد صناع المحتوى من غير البلاسيانيين على قوالب نمطية خاصة بالبلاسيانيين أنفسهم، ما يبرز طرائق جديدة تمارس بها جماعات عرقية مهمشة أخرى عمليات تصنيف عنصري تجاه هذه الفئة الصاعدة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسلط النتائج مجتمعة الضوء على عملية التشكل العنصري لفئة عرقية متنامية ما تزال تصنيفات المجتمع والمؤسسات تجاهها قيد التبلور، وعلى نشوء ثقافة رقمية سوداء آسيوية متعددة الأعراق تجد في تيك توك موطنًا لها، وعلى كيفية توحيد المنصة لجماعة عرقية واسعة ومتنوعة حول تجارب مشتركة ولغة فكاهية خاصة، وتبين الدراسة أن الفكاهة هنا ليست ترفيهًا محضًا بل وسيلة للتسمية الذاتية والرد على الإساءة واستعادة زمام السردية من أيدي الآخرين، وهي وظائف اجتماعية للفكاهة تستحق اهتمام الباحثين في دراسات المنصات والخطاب الرقمي، كما تنبه إلى أن التضامن بين المهمشين لا يلغي إمكان إعادة إنتاج التصنيفات العنصرية بين الجماعات المهمشة ذاتها، وتتصل هذه النتائج بأسئلة أوسع حول كيفية تشكل الجماعات الرقمية حول هويات لا تجد تمثيلًا كافيًا في وسائل الإعلام التقليدية، إذ تمنح المنصات القصيرة أفراد هذه الفئات أدوات إنتاج ونشر لم تكن متاحة لهم من قبل، فيتحولون من موضوعات يتحدث عنها الآخرون إلى ذوات تروي قصصها بنفسها وتختار نبرتها بين الجد والسخرية، غير أن هذه الإمكانات التحررية تبقى مشروطة بخوارزميات المنصة واقتصاد الانتباه فيها، إذ قد تكافأ المحتويات الصادمة والمثيرة للجدل بانتشار أوسع من المحتويات المتزنة، وهو ما يفرض على الباحثين دراسة شروط الانتشار ذاتها لا المحتوى وحده عند تقويم أثر المنصات في الهويات المهمشة
وخلاصة القول إن الدراسة توثق كيف يوظف البلاسيانيون تيك توك لبناء ثقافة رقمية خاصة بهم والرد بفكاهة على تجاربهم العنصرية، وكيف تتشكل هويتهم تفاوضيًا بين قوالب نمطية مزدوجة المصدر، ما يجعل حالتهم مرآة كاشفة لديناميات العرق والهوية على منصات التواصل الاجتماعي المعاصرة








