يشهد التعليم في السنوات الأخيرة تحولًا متسارعًا بفعل الانتشار الواسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ دخلت هذه الأدوات الفصول الدراسية بوتيرة متزايدة وفرضت على المعلمين أسئلة جديدة حول كيفية توظيفها في التدريس وإعداد المواد التعليمية والتقويم، غير أن الصورة ما تزال غير مكتملة فيما يتعلق بمعلمي المرحلة الابتدائية على وجه الخصوص، فالمعرفة المتاحة عن تصوراتهم تجاه هذه التقنيات وعن أنماط استخدامهم الفعلي لها ما تزال محدودة، ومن هنا تبرز أهمية الدراسات التي ترصد مواقف المعلمين بعمق وتفكك اختلافاتهم الداخلية بدل التعامل معهم كتلة واحدة متجانسة في علاقتهم بالتقنية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص تصورات معلمي المرحلة الابتدائية للمخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، ومستوى ثقتهم به، واحتياجاتهم إلى التطوير المهني، وأنماط استخدامهم له في ممارساتهم التعليمية، واعتمدت الدراسة منهج المسح، إذ جُمعت البيانات عبر استبانة وُزعت على 295 معلمًا ومعلمة في المرحلة الابتدائية، ثم حُللت البيانات باستخدام التحليل العنقودي الهرمي وتحليل عناقيد المتوسطات بهدف تحديد أنماط مميزة من انخراط المعلمين مع الذكاء الاصطناعي، بما يتيح مقارنة هذه الأنماط في الاستخدام الحالي وفي الاستخدام المقصود مستقبلًا وفي حجم الاحتياجات التدريبية التي يعلنها كل نمط منها
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج حالة عامة من الانفتاح الحذر لدى المعلمين، إذ جاء إدراكهم للمخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي بين المتوسط والمرتفع، بينما جاءت ثقتهم بهذه التقنيات منخفضة نسبيًا، وقابل ذلك احتياجات جوهرية إلى التطوير المهني تعكس رغبة في الفهم والتمكن قبل التوسع في الاستخدام
2، برزت ثلاثة أنماط متميزة لانخراط المعلمين مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، هي الرافضون المتشككون الذين يقاومون التوظيف ويغلب على مواقفهم التحفظ، والمهتمون المترددون الذين يبدون فضولًا ورغبة في التجريب مع بقاء شكوكهم قائمة، والمتعلمون الواثقون الذين يثقون بالتقنية وينخرطون في تعلمها واكتشاف إمكاناتها بثقة أكبر
3، اختلفت الأنماط الثلاثة اختلافًا دالًا في استخدامها الحالي للذكاء الاصطناعي وفي استخدامها المقصود مستقبلًا، وهو ما يؤكد أن معلمي المرحلة الابتدائية لا يشكلون مجموعة واحدة متجانسة في علاقتهم بهذه التقنيات، بل تتوزع مواقفهم وممارساتهم على طيف واسع من القبول والتحفظ
4، فاق الاستخدام المقصود الاستخدام الفعلي في الأنماط جميعًا، وهو ما يشير إلى فجوة واضحة بين النية والتطبيق، فكثير من المعلمين يعتزمون توظيف الذكاء الاصطناعي في أعمالهم بدرجة أكبر مما يفعلونه حاليًا على أرض الواقع داخل الفصول الدراسية
5، جاءت أعلى احتياجات التطوير المهني لدى نمط المهتمين المترددين وليس لدى أكثر المعلمين تشككًا، وهي نتيجة لافتة تعني أن الفئة الأقرب إلى الانخراط الفعلي في استخدام التقنية هي الأكثر طلبًا للدعم والتدريب، لا الفئة الأكثر رفضًا لها كما قد يُتوقع
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد هذه النتائج مخططي برامج التطوير المهني بأن تصميم برنامج واحد يناسب جميع المعلمين لن يكون فعالًا، فلكل نمط من أنماط المعلمين احتياجاته ونقاط انطلاقه المختلفة، وأن الاستثمار الأجدى قد يتوجه إلى فئة المهتمين المترددين لأنهم يملكون الدافعية وينقصهم الدعم والتدريب المناسبان، كما تشير الدراسة إلى أن التطوير المهني ينبغي أن يبني كفايات التعامل مع الذكاء الاصطناعي والحكم المهني الرشيد في توظيفه معًا، وأن يعالج المخاوف المرتبطة بالمخاطر ويبني الثقة تدريجيًا عبر تجارب تطبيقية آمنة وموجهة، بما يضيق فجوة النية والاستخدام التي رصدتها الدراسة ويحول حالة الانفتاح الحذر إلى ممارسة واعية ورشيدة داخل الفصول الابتدائية
وخلاصة القول إن انخراط معلمي المرحلة الابتدائية مع الذكاء الاصطناعي التوليدي يتوزع على أنماط متباينة تجمع بين الحذر والاهتمام والثقة بدرجات مختلفة، وإن فهم هذه الأنماط يمثل شرطًا لتصميم تطوير مهني فعال يستجيب للاحتياجات الحقيقية لكل فئة، وهو ما يقدم للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا مدخلًا مهمًا لدراسة تبني التقنيات الناشئة في التعليم الأساسي بمنهجية تراعي التباين داخل مجتمع المعلمين ولا تختزله في اتجاه واحد








