تُعد فروق المعالجة الحسية من السمات الشائعة لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد والإعاقة الذهنية، وقد ربطتها بحوث سابقة بالسلوكيات غير التكيفية وتراجع الأداء التكيفي، غير أن معظم هذه الأدلة جاءت من مقاييس تعتمد على تقارير مقدمي الرعاية، بينما ظلت العلاقة بين هذه الفروق والتنظيم البيئي للسلوكيات الصعبة القابلة للملاحظة في مواقف الرعاية اليومية غير محسومة، فالسلوك لا يحدث في فراغ، بل يتشكل داخل سياقات طبيعية تتفاعل فيها خصائص الطفل مع متطلبات البيئة واستجابات المحيطين به، ويتطلب فهمه تتبع وظيفته في لحظة حدوثه لا الاكتفاء بوصف صورته الخارجية
وتقدم هذه الدراسة منظورًا بيئيًا وظيفيًا يهم الممارسين والباحثين العرب العاملين في التربية الخاصة والتأهيل، إذ تنقل الانتباه من وصف السمات العامة للطفل إلى تحليل وظيفة كل سلوك في سياقه الطبيعي، وهو ما يساعد على بناء تدخلات أدق تستند إلى فهم سبب حدوث السلوك لا إلى مظهره فحسب، ويمنح فرق التأهيل أساسًا واقعيًا لقراءة السلوكيات الصعبة التي تواجهها يوميًا في البيوت والمدارس ومراكز الرعاية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص مدى حضور الوظائف الحسية في السلوكيات الصعبة لدى عينة إكلينيكية محالة من الأطفال ذوي التوحد المصحوب بإعاقة ذهنية أو ذوي الإعاقة الذهنية وحدها، وإلى بيان ما إذا كان اتجاه هذه الوظائف بين السعي والتجنب يرتبط بشكل السلوك ذاته، واتبعت الدراسة تصميمًا استرجاعيًا حلل بيانات الرعاية الروتينية لسبعين طفلًا تراوحت أعمارهم بين ثلاث سنوات وست عشرة سنة، ووثقت التقييمات السلوكية الوظيفية الطبيعية 7560 حلقة سلوكية، وصُنفت الحلقات التي نصت فرضيتها الوظيفية المسجلة صراحة على وظيفة حسية بوصفها سلوكيات ذات دافع حسي، وهو تصنيف يمثل فرضية إكلينيكية مصوغة حول وظيفة الحلقة، واستخدم الباحثون نماذج بيتا ثنائية الحدين لفحص متنبئات نسبة الحلقات المنسوبة إلى وظيفة حسية، ونماذج التأثيرات المختلطة التي تراعي تجمع الحلقات داخل كل طفل لفحص الارتباط بين فئة السلوك ووظيفته المستنبطة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، شكلت السلوكيات ذات الدافع الحسي نسبة 7.47 في المئة من مجموع الحلقات، بواقع 565 حلقة من أصل 7560 حلقة، وبلغ متوسط نسبتها على مستوى المشاركين 8.19 في المئة، مع تباين كبير بين الأفراد، وبما أن التحليل اقتصر على التعيينات الصريحة للوظيفة الحسية فإن هذه النسبة تقدير متحفظ لمدى إسناد الممارسين وظيفة حسية للسلوكيات في الممارسة الروتينية
2، ارتبط اتجاه الوظيفة الحسية بين السعي والتجنب بشكل الحلقة السلوكية، فارتبطت السلوكيات الموجهة إلى الجسد بالتجنب، وارتبطت السلوكيات الموجهة إلى الأشياء أو إلى التناول بالسعي، وهو ما يعني أن صورة السلوك ذاتها تحمل معلومة عن اتجاهه الحسي يمكن للممارس قراءتها
3، لم ترصد التحليلات ارتباطات متسقة بين نسبة الحلقات الحسية وكل من أنماط المعالجة الحسية المقاسة بتقارير مقدمي الرعاية عبر ملف الحواس الثاني، والأداء التكيفي المقاس بمقاييس فاينلاند للسلوك التكيفي في طبعتها الثانية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توفر هذه النتائج معيارًا بيئيًا مرجعيًا لمدى إسناد الوظائف الحسية في الممارسة الروتينية، وتوضح أن شكل الحلقة السلوكية يحمل معلومات عن اتجاهها الحسي لا تلتقطها استبيانات السمات العامة، مما يدعو الممارسين إلى توظيف التحليل الوظيفي الطبيعي عند بناء خطط التدخل، ويدعو الباحثين إلى الجمع بين ملاحظة السلوك في سياقاته الطبيعية وأدوات القياس التقليدية لفهم أعمق للعلاقة بين المعالجة الحسية والسلوك، ويمكن للمتخصصين العرب في مراكز التأهيل والتربية الخاصة الاستفادة من هذا المنظور في تطوير تقييمات وظيفية أكثر حساسية لبيئة الطفل اليومية، وفي تدريب فرق الرعاية على تسجيل الفرضيات الوظيفية تسجيلًا صريحًا يثري البيانات الإكلينيكية ويحسن قرارات التدخل
وخلاصة القول إن الوظائف الحسية حاضرة في نسبة محدودة لكنها ذات دلالة من السلوكيات الصعبة لدى الأطفال ذوي التوحد والإعاقة الذهنية، وإن اتجاهها بين السعي والتجنب يرتبط بشكل السلوك ذاته، مما يعزز قيمة التحليل البيئي الوظيفي أساسًا لفهم السلوك وبناء تدخلات فعالة








