تمثل الاتجاهات الوصمية نحو الأشخاص ذوي الاضطرابات النفسية عائقًا رئيسًا أمام طلب العلاج والتعافي والاندماج الاجتماعي، فالوصمة تدفع كثيرين إلى إخفاء معاناتهم وتأجيل طلب المساعدة وتقوض فرصهم في العمل والعلاقات، ويتطلب رصد هذه الاتجاهات ومواجهتها أدوات قياس دقيقة تلتقط أبعادها الخفية لا صورها الصريحة فحسب، إذ كثيرًا ما تختفي الأحكام المسبقة خلف افتراضات تبدو محايدة حول كون هؤلاء الأشخاص عبئًا أو مصدر مشكلات دائم
وتسد هذه الدراسة فجوة قياسية بتقديمها مقياسًا ألماني اللغة للوصمة تجاه الأشخاص ذوي الاضطرابات النفسية وتقويمه عبر ثلاث دراسات مستقلة، بما يهم الباحثين في علم النفس الاجتماعي والصحة النفسية المجتمعية وطلاب الدراسات العليا الساعين إلى بناء أدوات قياس للوصمة أو تعريبها، إذ يكشف المقياس شقين متمايزين للوصمة العامة يندر أن تلتقطهما الأدوات التقليدية مجتمعين في أداة واحدة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء مقياس الوصمة تجاه الأشخاص ذوي الاضطرابات النفسية وتقويمه سيكومتريًا عبر ثلاث دراسات مستقلة بعينات متمايزة، ففي الدراسة الأولى وبحجم عينة بلغ 266 مشاركًا طور مجمع أولي للبنود وصقل بناء على أطر نظرية وتحليل عاملي استكشافي، وفي الدراسة الثانية وبحجم عينة بلغ 448 مشاركًا اختبرت البنية العاملية بالتحليل العاملي التوكيدي وقدر الاتساق الداخلي، وفي الدراسة الثالثة وبحجم عينة بلغ 266 مشاركًا فحصت حساسية المقياس للتغير قصير المدى بعد التعرض لمحتوى إعلامي مختلف التأطير، وقورنت درجاته بمقاييس وصمة الاكتئاب والمسافة الاجتماعية وسمات الشخصية وغيرها
ثانيًا: أبرز النتائج
1، دعم التحليل العاملي التوكيدي بنية ثنائية العوامل تضم الوصم التحاملي القائم على الأحكام المسبقة الصريحة، وافتراض المشكلات القائم على تصور هؤلاء الأشخاص عبئًا ومصدر صعوبات، وحقق النموذج مطابقة مقبولة بالمؤشرات التقليدية إذ بلغ مؤشر المطابقة المقارن 0.97 ومؤشر تاكر ولويس 0.96 وجذر متوسط مربع البواقي المعياري 0.07، بينما أشارت المؤشرات الحصينة إلى مطابقة متوسطة بمؤشر مقارن حصين بلغ 0.91 وجذر خطأ تقريب حصين بلغ 0.13
2، كان الاتساق الداخلي جيدًا للمقياس الفرعي الخاص بالوصم التحاملي بمعامل أوميغا بلغ 0.83، ومحدودًا للمقياس الفرعي الخاص بافتراض المشكلات بمعامل بلغ 0.51
3، ارتبط مقياسا الدراسة إيجابيًا بوصمة الاكتئاب والمسافة الاجتماعية، وسلبيًا بالانفتاح وطيب التعامل في مقياس العوامل الخمسة للشخصية، بما يدعم الصدق التقاربي كما كان متوقعًا نظريًا
4، تأيد الصدق التمايزي جزئيًا بارتباطات منخفضة أو غير دالة مع الاتجاهات نحو الأشخاص ذوي الإعاقة الجسدية ومعرفات الانتحار والاستجابة المرغوبة اجتماعيًا، وأظهر المقياس حساسية للتغير قصير المدى بعد التعرض للمحتوى الإعلامي مختلف التأطير
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسات الثلاث مجتمعة أدلة أولية متسقة على الصدق البنائي والمفاهيمي للمقياس وحساسيته للتغير، فهو يلتقط الأحكام المسبقة الصريحة وافتراضات العبء الضمنية معًا، ما يمنح تقويمًا أدق للوصمة العامة، ويمكن أن يخدم أداة قيمة في بحوث الوصمة ورصد الصحة العامة وتقويم أثر التدخلات التوعوية، بينما تظل الحاجة قائمة إلى توسيع التحقق ليشمل عينات أكثر تنوعًا واختبار القدرة التنبؤية والمنفعة الطولية للمقياس
وتبرز الدراسة درسًا منهجيًا عامًا في بناء المقاييس النفسية، فالاتساق الداخلي المحدود للمقياس الفرعي الخاص بافتراض المشكلات لم يدفع الباحثين إلى إخفائه بل أبلغوا عنه بوصفه قيدًا يستدعي تطوير بنود إضافية وتحققًا لاحقًا، كما أن تمييز المؤشرات التقليدية عن المؤشرات الحصينة في الإبلاغ عن مطابقة النموذج يعكس شفافية إحصائية جديرة بالاقتداء، ويمكن للباحثين العرب البناء على هذا النموذج في تطوير مقياس عربي للوصمة يراعي الخصوصيات الثقافية والدينية في تمثل الاضطرابات النفسية وطلب العلاج لدى فئات المجتمع المختلفة ومهن الرعاية الصحية والتعليمية
وخلاصة القول إن قياس الوصمة باقتدار شرط أول لمواجهتها بفاعلية، وإن مقياسًا يفرق بين التحامل الصريح وافتراض المشكلات يتيح للباحثين وصناع السياسات الصحية رصدًا أنفذ لبنية الاتجاهات الوصمية في المجتمع وتوجيه حملات التوعية إلى مكوناتها الحقيقية، وهو درس منهجي يفيد كل جهد عربي لبناء أدوات قياس وصمة ملائمة ثقافيًا








