يواجه متخذو القرارات بالنيابة عن مرضى الحالات الحرجة العصبية ذوي اضطرابات الوعي المطولة عبئًا نفسيًا استثنائيًا، فهم يقررون في شأن أحبتهم قرارات علاجية معقدة وسط غموض يكتنف تفضيلات المريض الحقيقية ومآلات حالته، ومن رحم هذا الغموض يولد الندم على القرار، وهو شعور مؤلم بأن القرار المتخذ لم يكن الأنسب، ويرتبط هذا الندم بنواتج نفسية سلبية في مقدمتها القلق والاكتئاب لدى هؤلاء المتخذين
وينبع قصور المعرفة في هذا المجال من اعتماد معظم الأدلة السابقة على دراسات مقطعية تلتقط العلاقات في لحظة واحدة، فلا تكشف اتجاه التأثير المتبادل بين الندم والضيق النفسي عبر الزمن، ومن هنا تأتي قيمة هذه الدراسة الطولية التي تتبعت المتغيرات في ثلاث نقاط زمنية، بما يفيد الممارسين السريريين والباحثين في علم نفس الصحة وأسر المرضى ذوي الحالات الحرجة في البيئات العربية وغيرها من البيئات
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى رسم المسار الطولي للندم على القرار وأعراض القلق والاكتئاب لدى متخذي القرار بالنيابة واستكشاف علاقاتهما ثنائية الاتجاه، واعتمدت تصميمًا طوليًا مستقبليًا امتد من يناير إلى نوفمبر من عام 2024 وشمل 227 متخذ قرار بالنيابة عن مرضى عصبيين حرجين ذوي اضطرابات وعي مطولة في مستشفيين من مستشفيات الدرجة الثالثة في شنغهاي بالصين، وقيست المتغيرات بمقياس الندم على القرار ومقياس القلق والاكتئاب للمستشفيات بعد شهر واحد وثلاثة أشهر وستة أشهر من تشخيص المريض، واستخدمت نماذج الألواح المتقاطعة المتأخرة لفحص العلاقات ثنائية الاتجاه بين الندم المرتفع وأعراض القلق والاكتئاب
ثانيًا: أبرز النتائج
1، بلغ متوسط مستوى الندم على القرار ذروته في البداية ثم أخذ في الانخفاض مع مرور الوقت، بينما أظهرت أعراض القلق والاكتئاب انخفاضًا تدريجيًا عبر القياسات الثلاثة
2، بلغت نسب انتشار الندم المرتفع 23.18 في المئة بعدد 54 فردًا في القياس الأول، و34.33 في المئة بعدد 80 فردًا في القياس الثاني، و18.03 في المئة بعدد 42 فردًا في القياس الثالث
3، كشفت التحليلات المتقاطعة عن علاقة ثنائية الاتجاه بين الندم المرتفع والقلق من القياس الأول إلى الثاني بمعاملين بلغا 0.327 و0.113، بينما تنبأ القلق وحده بالندم المرتفع اللاحق من القياس الثاني إلى الثالث بمعامل بلغ 0.052
4، ظهرت علاقة ثنائية الاتجاه أيضًا بين الندم المرتفع والاكتئاب من القياس الأول إلى الثاني بمعاملين بلغا 0.321 و0.094
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى علاقة تبادلية دينامية زمنيًا بين الندم المرتفع وأعراض القلق والاكتئاب، إذ يغذي كل منهما الآخر في المرحلة المبكرة ثم يتحول القلق لاحقًا إلى المحرك الأبرز للندم، ويوصي الباحثون بأن يقوم الطاقم السريري الحالة النفسية لمتخذي القرار بالنيابة تقويمًا ديناميًا يراعي المرحلة الزمنية، وأن يطبق استراتيجيات تدخل متمايزة بحسب كل مرحلة بدل التعامل مع هؤلاء بوصفهم مجموعة ثابتة الاحتياجات عبر مسار المرض
وتتفرد الدراسة بمتابعتها متخذي القرار عبر ستة أشهر كاملة من مسار المرض، وهي فترة تشهد تحولات حادة في حالة المريض العصبية وفي آمال الأسرة وتوقعاتها، ويسمح التصميم المتقاطع المتأخر بفحص اتجاهات التأثير بدل التكهن بها، ومن الناحية التطبيقية يمكن أن تترجم نتائجها إلى بروتوكولات دعم مرحلية داخل وحدات العناية المركزة العصبية في المستشفيات العربية، تبدأ باحتواء الصدمة الأولى وتقديم معلومات واضحة عن المآلات المحتملة، ثم تنتقل إلى تدخلات تستهدف القلق تحديدًا بوصفه المنبئ الأهم بالندم في المراحل اللاحقة، مع إشراك الأسرة في مناقشات قرارات موثقة تحترم قيم المريض وتفضيلاته المفترضة وتصون كرامته الإنسانية في كل المراحل قدر الإمكان
وخلاصة القول إن الندم على القرار والضيق النفسي لدى متخذي القرار بالنيابة عن مرضى اضطرابات الوعي المطولة يتشابكان في علاقة متبادلة تتغير طبيعتها عبر الزمن، وإن إدراك هذا التغير الزمني يمنح الفرق العلاجية أساسًا أدق لتوقيت الدعم النفسي ونوعه، ويخفف من معاناة أسر تعيش واحدة من أصعب تجارب الرعاية الصحية وأكثرها إيلامًا








