يحتل العنف في مكان العمل موقعًا متقدمًا بين القضايا التي تشغل علم النفس التنظيمي المعاصر، إذ لا تقتصر آثار هذه الظاهرة على الموظف الذي يتعرض لها مباشرة، بل تمتد إلى زملائه الذين يشاهدونها أو يعلمون بوقوعها فيتأثر مناخ العمل النفسي برمته، فالعنف الذي يقع داخل المنظمة يقرأه العاملون بوصفه مؤشرًا على مدى جدية المنظمة في حمايتهم وصون كرامتهم، وحين يتكرر أو يمر دون مواجهة حاسمة يتشكل لدى الموظفين انطباع بأن بيئة عملهم غير آمنة وأن إدارتهم لا تولي سلامتهم ما تستحقه من عناية
وتكتسب دراسة هذه الظاهرة أهمية خاصة لدى الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في تخصصات علم النفس الصناعي والتنظيمي وإدارة الموارد البشرية، إذ ما تزال الأدبيات العربية في حاجة إلى نماذج تفسيرية تتجاوز النظر إلى العنف بوصفه حدثًا فرديًا يعانيه الضحية وحده، نحو فهمه ظاهرة علاقية وتنظيمية تتوسطها إدراكات الموظفين لجهود منظماتهم في الوقاية منه، وهو ما تقدمه هذه الدراسة عبر اختبارها دور إدراك غياب الوقاية التنظيمية وسيطًا بين التعرض للعنف وعدم الرضا الوظيفي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى استكشاف آثار العنف المعاين الذي يتعرض له الموظف بنفسه والعنف الملاحظ الذي يشاهده واقفًا على غيره في عدم الرضا الوظيفي، والكشف عن الدور الوسيط الذي يؤديه إدراك غياب الوقاية التنظيمية من العنف، ويقصد به اعتقاد الموظف أن منظمته لا تتخذ إجراءات كافية لمنع العنف ومعالجة تبعاته، واعتمدت الدراسة على بيانات عينة ممثلة على المستوى الوطني قوامها 14515 موظفًا اتحاديًا في الولايات المتحدة الأمريكية، واستخدمت نمذجة المعادلة البنائية لاختبار الآثار المباشرة وغير المباشرة والمقارنة بين أثري نوعي التعرض
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج أن العنف المعاين والعنف الملاحظ كليهما يفضيان إلى ارتفاع عدم الرضا الوظيفي لدى الموظفين، فلم تقتصر المعاناة الاتجاهية على الضحايا المباشرين وحدهم
2، بلغ الأثر الكلي للعنف المعاين 0.47 مقابل 0.33 للعنف الملاحظ، غير أن الفارق بين الأثرين لم يكن دالًا إحصائيًا إذ بلغت قيمة احتمالية الدلالة 0.182
3، توسط إدراك غياب الوقاية التنظيمية العلاقة بين نوعي التعرض وعدم الرضا الوظيفي توسطًا كاملًا، ولم يختلف الأثران غير المباشرين عبر هذا الوسيط اختلافًا دالًا إذ بلغت قيمة احتمالية الدلالة 0.151
4، يترتب على ذلك أن عدم الرضا الوظيفي لا يختلف اختلافًا جوهريًا بين من خبر العنف بنفسه ومن شاهده فحسب، بما يتحدى الافتراضات التقليدية القائلة بأولوية الإيذاء المباشر وخطورة أثره
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكشف هذه النتائج أن الموظفين يفسرون العنف الواقع داخل منظماتهم بوصفه إخفاقًا تنظيميًا لا فعلًا فرديًا معزولًا، فحين تغيب الوقاية الفعالة يتسع أثر العنف ليشمل مشاهديه كما يشمل ضحاياه، ومن هنا فإن تعزيز برامج الوقاية من العنف وتوفير قنوات إبلاغ آمنة وتدريب القيادات على التدخل المبكر تمثل مداخل عملية لحماية الرضا الوظيفي والاحتفاظ بالكفاءات، كما تفتح الدراسة بابًا للباحثين العرب لفحص هذا النموذج في بيئات عمل عربية تختلف في أطرها التنظيمية والثقافية
وتنطوي الدراسة على دروس منهجية مهمة للباحثين في البيئات العربية، فهي تعتمد عينة وطنية واسعة وتقارن بين أثري نوعي تعرض كثيرًا ما يخلط بينهما في الأدبيات، كما أنها توظف نمذجة المعادلة البنائية لاختبار الوساطة الكاملة بدل الاكتفاء بالارتباطات الثنائية، ومن المفيد أن تختبر دراسات عربية مستقبلية هذا النموذج في قطاعات كالصحة والتعليم والخدمات الحكومية حيث تتفاوت سياسات الوقاية من العنف ومستويات الإفصاح عنه، مع الانتباه إلى الفروق الثقافية في تعريف العنف والإبلاغ عنه
وخلاصة القول إن العنف في مكان العمل يلقي بظلاله على الرضا الوظيفي سواء تعرض له الموظف بنفسه أم رآه يقع على زملائه، وإن مفتاح هذا الأثر يكمن في شعور الموظفين بأن منظمتهم تقصر في واجب الوقاية والحماية، وهو ما يجعل بناء منظومة وقاية تنظيمية مقنعة للعاملين استثمارًا مباشرًا في اتجاهاتهم الإيجابية نحو وظائفهم ومنظماتهم








