يطرح الاقتصاد الدائري نفسه نموذجًا واعدًا للتنمية المستدامة يعيد تصميم أنماط الإنتاج والاستهلاك بما يقلل الهدر ويطيل عمر الموارد ويحول المخلفات إلى مدخلات جديدة، وتبرز وجهات السياحة الريفية مجالًا خصبًا لتطبيق هذا النموذج لما تجمعه من أنشطة إنتاجية وخدمية ومجتمعات محلية متداخلة، غير أن أبحاث الاقتصاد الدائري تركزت في معظمها على الدول المتقدمة وظل فهم دوافعه ومعوقاته في وجهات السياحة الريفية بالاقتصادات الناشئة محدودًا، وجاءت هذه الدراسة لتستكشف تلك الدوافع والمعوقات متخذة من قرية تونس المصرية، وهي وجهة سياحية ريفية معروفة بصناعاتها الحرفية، حالة دراسية تمثل الاقتصادات الناشئة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة منهجية دراسة حالة استكشافية للتعرف إلى دوافع تبني ممارسات الاقتصاد الدائري ومعوقاتها في قرية تونس، وأُجريت مقابلات هاتفية مع عشرة من أصحاب المصلحة ذوي الصلة بأنشطة السياحة والاقتصاد الدائري في القرية، كما وُزع استبيان على 123 موظفًا من العاملين في المنشآت السياحية والخدمية بها، وحُللت البيانات النوعية تحليلًا موضوعيًا لاستخلاص المحاور والموضوعات المتكررة، بينما عُرضت البيانات الكمية عرضًا وصفيًا يرصد تصورات العاملين وترتيبهم للدوافع والمعوقات، بما يجمع بين عمق الرؤية النوعية واتساع الرصد الكمي
ثانيًا: أبرز النتائج
1، تصدرت قائمة الدوافع المدركة تحسين العلاقات مع المجتمع المحلي، تلاه تحقيق المنافع المالية، ثم تحسين العلاقات مع الموردين، بما يعكس وزن البعدين الاجتماعي والاقتصادي في قرارات التبني
2، جاء في صدارة المعوقات ضعف التنمية الاقتصادية الذي يصعّب تطبيق الاستدامة على نطاق واسع، تلاه نقص التقنية والتقنيات المتقدمة، ثم غياب أنظمة فعالة ومتكاملة لإدارة النفايات وتدويرها
3، أكدت الدراسة أنها أول بحث يفحص الاقتصاد الدائري في وجهات السياحة الريفية في الدول الناشئة، وأنها تسلط الضوء على الدوافع والمعوقات الخاصة بهذا السياق بوصفه ممارسة للتنمية المستدامة وتسهم في النقاش الأكاديمي حول هذا المفهوم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنبه الدراسة إلى أن نتائجها لا يمكن تعميمها نظرًا لطبيعتها الاستكشافية وتصميمها القائم على حالة واحدة، غير أنها قادرة على المساعدة في التخطيط لبحوث مستقبلية أوسع نطاقًا في الاقتصادات النامية، كما تفيد صانعي السياسات في كيفية تطبيق ممارسات الاقتصاد الدائري بصورة أفضل في وجهات السياحة الريفية، إذ يتطلب التطبيق معالجة متزامنة للمعوقات الاقتصادية والتقنية ولبنية إدارة النفايات والتدوير، كما تبرز الحاجة إلى بناء قدرات المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الوجهات الريفية على فرز النفايات وإعادة توظيف مخلفات الحرف والضيافة بما يحول المعوقات الحالية إلى فرص دخل محلية، وتقدم الحالة المصرية مادة ثرية للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا المهتمين بالسياحة المستدامة والتنمية الريفية، حيث تشترك قرى عربية كثيرة في السمات الحرفية والمجتمعية ذاتها وفي التحديات المؤسسية والتقنية نفسها
وتتميز قرية تونس بمكانتها وجهة للسياحة البيئية والحرفية تجذب الزوار إلى ورش الفخار والخزف والضيافة الريفية، وهو نسيج يجعل ممارسات الاقتصاد الدائري قريبة من واقعها اليومي، من إعادة توظيف مخلفات الحرف إلى إدارة نفايات الضيافة وتقصير سلاسل التوريد بالاعتماد على المنتجات المحلية
وتشير المقارنة الضمنية مع أدبيات الدول المتقدمة إلى أن دوافع السياحة الريفية في الاقتصادات الناشئة أكثر ارتباطًا بالعلاقات المجتمعية والمنافع المالية المباشرة، بينما تتصدر الاعتبارات البيئية والتنظيمية دوافع الوجهات المتقدمة، وهو اختلاف ينبغي أن تنتبه إليه السياسات فلا تستنسخ أدوات لا تناسب القدرات المحلية، كما أن إشراك أصحاب المصلحة المحليين منذ البداية في تصميم أي تدخل دائري يزيد فرص قبوله واستمراره لأنهم الأقدر على تحديد الممارسات الواقعية المناسبة لإمكانات القرية ومواسم نشاطها السياحي
وتحتاج سياسات دعم الاقتصاد الدائري في مثل هذه الوجهات إلى حوافز عملية كتيسير التمويل الصغير للمنشآت الملتزمة بممارسات الفرز والتدوير
وخلاصة القول إن الاقتصاد الدائري في وجهات السياحة الريفية بالاقتصادات الناشئة يقف على دوافع اجتماعية واقتصادية واعدة، ويصطدم بمعوقات تنموية وتقنية وبغياب أنظمة متكاملة للنفايات، وإن دراسة حالة قرية تونس تمهد الطريق لفهم أعمق وسياسات أقدر على تحويل هذا النموذج إلى ممارسة واقعية








