يمثل ضعف البصر مصدر قلق كبيرًا للصحة العامة على مستوى العالم، وتتفاقم حدته في المجتمعات الريفية المحرومة من الخدمات حيث يقل الوصول إلى رعاية العيون المتخصصة وتتأخر الفحوصات الدورية، وتشكل الأخطاء الانكسارية غير المصححة سببًا رئيسًا يمكن الوقاية منه متى توفر الفحص والتصحيح المناسب، ومع ذلك تظل البيانات الميدانية الحديثة عن انتشار ضعف البصر وأسبابه في القرى السعودية محدودة، ومن هنا جاءت هذه الدراسة لتقويم انتشار ضعف البصر والأخطاء الانكسارية وتحديد أسبابه وعوامل الخطر المرتبطة به في مجتمع ريفي بمنطقة القصيم في المملكة العربية السعودية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
أُجريت الدراسة بتصميم مقطعي خلال شهر مايو من عام 2024 وشملت 929 مشاركًا تتراوح أعمارهم بين 6 سنوات و90 سنة من سكان قرية Duhknah الريفية بمنطقة القصيم، وقِيست الأخطاء الانكسارية باستخدام جهاز قياس الانكسار الآلي دون توسيع حدقة العين، وأُجريت فحوصات الجزء الأمامي والخلفي من العين باستخدام المصباح الشقي ومنظار العين المباشر والفحص المجهري لقاع العين بعدسة قوتها 90 ديوبتر، وصُنف ضعف البصر وفق التصنيف الدولي للأمراض في مراجعته الحادية عشرة الصادرة عام 2018، وحُللت البيانات بأساليب وصفية ونماذج انحدار لاستكشاف عوامل الخطر المرتبطة بضعف البصر
ثانيًا: أبرز النتائج
1، تبين أن 671 مشاركًا بنسبة 72.2 في المئة لم يخضعوا قط لأي فحص للعيون من قبل، بما يكشف فجوة كبيرة في الاستفادة من خدمات رعاية العيون في هذا المجتمع الريفي
2، بلغ الانتشار العام لضعف البصر الظاهر 39.8 في المئة بواقع 370 حالة، توزعت بين ضعف خفيف بنسبة 21.6 في المئة ومتوسط بنسبة 11.0 في المئة وشديد بنسبة 4.1 في المئة وعمى بنسبة 3.1 في المئة
3، سجلت الأخطاء الانكسارية نسب انتشار بلغت 20.6 في المئة لطول النظر و36.9 في المئة لقصر النظر و13.2 في المئة للاستجماتزم، وكانت الأخطاء الانكسارية غير المصححة السبب الأكثر شيوعًا لضعف البصر بنسبة 81.4 في المئة، تلاها الغمش أو كسل العين بنسبة 13.5 في المئة ثم إعتام عدسة العين بنسبة 3.2 في المئة
4، أظهر تحليل الانحدار أن احتمالات ضعف البصر لدى النساء كانت أعلى بمقدار 1.58 مرة عند مستوى دلالة قدره 0.001، وأن من أجروا فحصًا للعيون قبل سنة أو أكثر ارتفعت احتمالاتهم بمقدار 3.64 مرة عند مستوى دلالة أقل من 0.001، بينما انخفض الخطر بصورة دالة لدى الأكبر سنًا من 18 إلى 90 سنة مقارنة بالأصغر من 6 إلى 17 سنة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد هذه الصورة أن غالبية سكان المجتمع الريفي المدروس لم يفحصوا عيونهم قط وأن ضعف البصر منتشر بينهم بدرجة مرتفعة على الرغم من أن سببه الغالب قابل للتصحيح بالنظارات، وتدعو النتائج إلى تقوية الرعاية الأولية للعيون في المناطق الريفية السعودية عبر توفير فحوصات نظر منتظمة لا سيما للأطفال، وتيسير الوصول إلى خدمات تصحيح الأخطاء الانكسارية، ورفع الوعي المجتمعي بأهمية الكشف المبكر وبخاصة لدى النساء، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تحسين جودة الحياة وتكافؤ الخدمات الصحية بين المناطق، وتمثل الدراسة مرجعًا ميدانيًا مفيدًا للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا الراغبين في دراسة صحة العيون المجتمعية في بيئات مشابهة
وتفسر النتائج بأن تأخر اكتشاف الأخطاء الانكسارية لدى الأطفال قد يحولها إلى غمش دائم إن لم تعالج مبكرًا، كما أن ارتفاع احتمالات ضعف البصر لدى من مر على فحصهم الأخير عام أو أكثر يعكس تراكم مشكلات غير مشخصة مع الزمن لا سيما في مجتمع قلما يبادر أفراده إلى الفحص الوقائي، ومن ثم تبدو الحاجة ماسة إلى حملات فحص مدرسية ومجتمعية دورية تصل إلى الأهالي في مدارسهم وأحيائهم
وتمثل نسبة من لم يفحصوا عيونهم قط مؤشرًا إداريًا بقدر ما هي نتيجة طبية، إذ توجه مخططي الخدمات الصحية في منطقة القصيم إلى أولوية بناء الطلب على الفحص وتيسيره قرب السكان قبل توسيع الخدمات العلاجية المتقدمة
وخلاصة القول إن ضعف البصر في المجتمعات الريفية مشكلة صحية واسعة الانتشار لكنها قابلة للمعالجة إلى حد كبير، وإن الاستثمار في الفحص الدوري وخدمات التصحيح البصري داخل الرعاية الأولية كفيل بخفض عبئها بصورة جوهرية وتحقيق عدالة صحية أفضل لسكان القرى








