يواجه تعزيز قدرات الاستجابة الإقليمية لطوارئ الصحة العامة تحديًا كبيرًا في الصين التي تشهد تحضرًا سريعًا يضغط على بنيتها الصحية والإدارية، إذ تتفاوت المدن والمناطق في جاهزيتها للوقاية من الطوارئ الصحية والاستجابة لها والتعافي من آثارها، ويتطلب تحسين هذه القدرات قياسًا دقيقًا لمستوياتها الراهنة ورصدًا لتفاوتها المكاني وفهمًا للعوامل التي تدفعها صعودًا أو هبوطًا، وقد سعت هذه الدراسة إلى بناء منظومة تقويم شاملة لقدرات إدارة طوارئ الصحة العامة وتطبيقها على نطاق واسع من المدن الصينية عبر فترة زمنية ممتدة، بما يقدم صورة كمية عن التطور والفوارق والعوامل المؤثرة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
بنت الدراسة منظومة تقويم استنادًا إلى الإطار النظري لإدارة طوارئ الصحة العامة، وتضمنت أربعة أبعاد هي الوقاية والرصد، والاستجابة للطوارئ، والتعافي وإعادة الإعمار، والدعم الاضطراري، ووظفت طريقة الترجيح بالإنتروبيا لقياس مستويات إدارة الطوارئ في 285 مدينة على مستوى المحافظات في الصين خلال الفترة من عام 2011 إلى عام 2024، كما استخدمت معامل جيني وفق طريقة داغوم وتحليل تقدير كثافة النواة لدراسة الفوارق الإقليمية والتطور الدينامي، واعتمدت نموذج دوربين المكاني لاستكشاف الآثار المكانية للعوامل الدافعة، بما يميز بين آثارها المحلية وآثارها الممتدة إلى المناطق المجاورة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهر مؤشر مستويات إدارة طوارئ الصحة العامة في الصين اتجاهًا صاعدًا عامًا لكن بمعدل نمو بطيء، إذ ارتفع من 0.037 خلال فترة الخطة الخمسية الثانية عشرة إلى 0.048 خلال فترة الخطة الخمسية الرابعة عشرة
2، اتسم التوزيع المكاني بتدرج واضح يتمثل في الارتفاع في الشرق والانخفاض في الغرب، والارتفاع في الجنوب والانخفاض في الشمال، مع تقدم معتبر للمناطق الشرقية والجنوبية على غيرها
3، ظلت الفوارق الإقليمية عند مستويات مرتفعة واتسعت باستمرار، إذ ارتفع معامل جيني العام من 0.4836 إلى 0.5285، وكانت الفوارق بين المناطق المصدر الرئيس لهذه الفجوة تليها الفوارق داخل المناطق، وأشار منحنى كثافة النواة إلى تعمق الاستقطاب
4، برزت البنية التحتية الرقمية ومستوى الابتكار التقني عاملين دافعين إيجابيين جوهريين، إذ أظهر كل منهما آثارًا معززة محليًا وآثار امتداد مكانية موجبة، بينما كان الأثر العام للتنمية المالية سالبًا بصورة دالة ويرجع أساسًا إلى امتداداته المكانية السالبة التي تعكس استنزاف الموارد المالية عبر المناطق
5، قيدت المنافسة بين الحكومات المحلية المناطق المجاورة عبر امتدادات مكانية سالبة، ولم يظهر لرأس المال البشري سوى أثر موجب ضعيف محليًا، في حين لم يكن لانفتاح الأسواق أثر دال
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكشف نتائج الدراسة عن تباين إقليمي واضح في دوافع قدرات إدارة الطوارئ، ففي المنطقة الشرقية يقود الابتكار التقني والبنية التحتية الرقمية التقدم معًا وبأقوى آثار الامتداد، وفي المنطقة الوسطى يلعب الابتكار التقني ورأس المال البشري أدوارًا رئيسة بينما تُظهر منافسة الحكومات المحلية آثارًا محلية سالبة، وفي المنطقة الغربية لا يبدو أثر البنية التحتية الرقمية دالًا بينما تحقق التنمية المالية أثرًا غير مباشر موجبًا، وفي المنطقة الشمالية الشرقية يقتصر أثر البنية التحتية الرقمية على التعزيز المحلي دون امتداد مكاني، وتؤكد هذه الصورة أن تعزيز التنسيق بين المناطق وتوسيع آثار الامتداد الموجبة مساران مهمان لرفع قدرات إدارة الطوارئ، وهي رسالة تفيد مخططي الصحة العامة في البيئات العربية ذات التفاوتات الإقليمية المشابهة
وتستدعي هذه النتائج من صانعي القرار التعامل مع الفوارق الإقليمية بوصفها مسألة تنسيق لا مسألة تمويل فحسب، فحين تنتقل الموارد المالية والبشرية عبر المناطق بفعل المنافسة المحلية فقد تتحسن قدرات مدينة على حساب جاراتها دون مكسب وطني صافٍ، بينما يعمل الاستثمار في البنية الرقمية الصحية المشتركة وأنظمة الإنذار المبكر المترابطة على رفع القدرات في النطاقات المتلاصقة معًا
وخلاصة القول إن قدرات إدارة طوارئ الصحة العامة في الصين تتقدم ببطء رغم اتساع فوارقها الإقليمية، وإن الاستثمار في البنية الرقمية والابتكار التقني مع كبح الآثار السالبة للمنافسة المحلية واستنزاف الموارد المالية يمثل مفتاحًا لرفع الجاهزية الصحية بصورة متوازنة بين المناطق








