يشهد ميدان تعليم ورعاية الطفولة المبكرة توسعًا ملحوظًا في توظيف برامج التدخل وبرامج ضمان الجودة المعيارية بوصفها أدوات لتطوير الممارسات وضبط مخرجات التعلم في سنوات العمر الأولى، وقد ارتبط هذا التوجه عالميًا بتنامي الاهتمام بالأدلة البحثية التي تربط جودة الخبرات المبكرة بنمو الأطفال المعرفي والاجتماعي وبتحصيلهم اللاحق، غير أن إدخال هذه البرامج إلى سياقات تربوية لها تقاليدها الخاصة يثير تساؤلات حول مدى ملاءمتها للنماذج البيداغوجية السائدة وآثارها في استقلالية المعلمين ومشاركة الأطفال، وهو ما يجعل رسم خريطة بحثية لهذا المجال خطوة ضرورية لفهم اتجاهاته وفجواته
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة لدى الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا المهتمين بسياسات الطفولة المبكرة، إذ تتزايد الدعوات في المنطقة العربية إلى اعتماد برامج معيارية لضمان الجودة في رياض الأطفال، ومن المفيد الاطلاع على تجربة دول الشمال الأوروبي التي عُرفت بنموذج متميز في رعاية الطفولة يقوم على اللعب والشمولية، وملاحظة كيفية تفاعل هذا النموذج مع موجة البرامج التدخلية القائمة على الأدلة، وما يطرحه ذلك من أسئلة حول التوازن بين المعيارية العالمية والخصوصية الثقافية والتربوية لكل مجتمع
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه المراجعة الاستكشافية إلى استكشاف البحث العلمي حول استخدام برامج التدخل وبرامج ضمان الجودة المعيارية في تعليم ورعاية الطفولة المبكرة في دول الشمال خلال الفترة من 2010 إلى 2025، ورسم خريطة لخصائص هذا البحث من حيث أغراضه ونتائجه ودلالاته والفجوات المعرفية وحدوده واتجاهات البحث المستقبلي فيه، ولتحقيق ذلك أجرى الباحثون بحثًا منهجيًا في ثماني قواعد بيانات تربوية، وبعد عملية فرز شاملة تضمنت عمليات بحث يدوية جرى تحديد 69 دراسة استوفت معايير الإدراج من المقالات الخاضعة لتحكيم الأقران
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت المراجعة إلى مجموعة من النتائج التي ترسم ملامح هذا الحقل البحثي واتجاهاته، ويمكن إيجاز أبرزها في النقاط الآتية
1، لوحظت زيادة كبيرة في الدراسات المعنية ببرامج التدخل في تعليم ورعاية الطفولة المبكرة، ولا سيما خلال الفترة بين عامي 2021 و2023
2، وظفت معظم الدراسات مناهج كمية، شملت التصاميم شبه التجريبية والتجارب العشوائية المضبوطة، بما يعكس هيمنة تقاليد بحث الفاعلية القائمة على الأدلة
3، دعت الدراسات بصورة متسقة إلى تنفيذ برامج التدخل في مؤسسات الطفولة المبكرة بوصفها جزءًا من استراتيجية وقائية مبكرة تدعم نمو الأطفال وتعلمهم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتشير الدلالات المستخلصة إلى أن هذه التطورات، المتجذرة في التقاليد الأنجلو أمريكية لبحوث التدخل القائم على الأدلة وبحوث الفاعلية، تتعارض مع سمات رئيسة في النموذج الشمالي التقليدي لتعليم الطفولة المبكرة، وقد تدل على تحول أيديولوجي جار في هذا القطاع، على أنه ينبغي فهمها أيضًا في ضوء اتجاهات دولية أوسع نحو البحوث الموجهة بالتدخل والمخرجات، وتؤكد المراجعة الحاجة إلى مزيد من البحث النوعي الذي يستكشف كيفية تشكيل هذه البرامج للممارسات البيداغوجية والاستقلالية المهنية للمعلمين ومشاركة الأطفال في سياقات دول الشمال، كما تسلط المراجعة الضوء على محدودية الأدلة النوعية العميقة حول تجارب المعلمين والأطفال اليومية مع هذه البرامج، وهي أسئلة بحثية ذات صلة مباشرة بأي سياق يسعى إلى استيراد برامج معيارية أو تكييفها محليًا
ويستدعي هذا المجال من الباحثين العرب عناية منهجية خاصة عند دراسة برامج الجودة في بيئاتهم المحلية، إذ إن استيراد الأدوات المعيارية دون فحص افتراضاتها الثقافية والبيداغوجية قد يفرض مقاييس غريبة عن طبيعة العلاقة بين المعلم والطفل في السياق العربي، كما أن غياب البحث النوعي الذي رصدته المراجعة في السياق الشمالي يتكرر بدرجة أكبر في الأدبيات العربية، حيث تهيمن الدراسات الوصفية المسحية على حساب دراسات الحالة والتقويم التكويني، ومن ثم فإن بناء أجندة بحثية عربية متوازنة بين الكمي والنوعي يمثل خطوة أساسية لأي إصلاح يستهدف جودة الطفولة المبكرة في المنطقة
وخلاصة القول إن هذه المراجعة الاستكشافية تقدم خريطة شاملة لبحوث برامج التدخل وضمان الجودة المعيارية في طفولة دول الشمال المبكرة، وتكشف عن توتر بنيوي بين منطق المعيارية والفاعلية ومنطق النموذج التربوي الشمالي، بما يجعلها مرجعًا مهمًا للباحثين وصناع السياسات عند التفكير في مستقبل جودة تعليم الطفولة المبكرة








