يحتدم في أدبيات التعليم العالي جدل واسع حول موقع التعددية التخصصية في مناهج الجامعات وبرامجها، فبينما يطالب خطاب متصاعد بكسر الحواجز بين التخصصات لمواجهة مشكلات معقدة لا يحلها تخصص منفرد، يحذر خطاب آخر من تفتيت المعرفة المنهجية العميقة التي تمثل جوهر الجامعة، وتقدم جامعة آلبورغ الدنماركية حالة فريدة لإعادة تأهيل هذا النقاش، إذ راكمت خمسين عامًا من التجريب التربوي بالتعلم القائم على المشكلات والمشروعات جعلته نموذجها التعليمي المؤسس، فصارت خبرتها مختبرًا تاريخيًا يمكن من خلاله فحص كيفية تحقق التعددية التخصصية بوصفها مبدأ تعليميًا في ممارسات التدريس والتعلم الفعلية
وينطلق التحليل من موقفين نظريين متقابلين حول التخصصية والتعددية في التعليم، أولهما مدخل المعرفة القوية الذي يدافع عن قيمة المعرفة التخصصية المنظمة ويرى فيها سبيل الطلاب إلى تجاوز خبراتهم اليومية نحو فهم منهجي للعالم، وثانيهما مدخل الديداكتيك والبيلدونغ الألماني الذي يطالب بانخراط الطلاب في استكشافات عابرة للحدود تلج معارف غريبة عن تخصصاتهم بوصف ذلك شرطًا لتشكلهم الثقافي والشخصي المعبر عنه بمفهوم البيلدونغ، ويمثل التفاعل بين هذين الموقفين عدسة مفيدة للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في التربية المقارنة ودراسات المناهج عند التفكير في موقع التخصصات في الجامعات العربية بين الحفاظ على العمق التخصصي والانفتاح البيني
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بحث كيفية تحقق التعددية التخصصية بوصفها مبدأ تعليميًا في ممارسات التعليم والتعلم بجامعة آلبورغ عبر خمسة عقود من تجربة التعلم القائم على المشكلات، واعتمدت تحليلًا تاريخيًا ومفاهيميًا وظف الموقفين النظريين السابقين في تفسير المناهج والمحاولات التجريبية الأولى للعمل بالمشروعات في سنوات الجامعة المبكرة، ورصدت على مستوى السياسات الاتجاه العام الذي حكم عروض البرامج وبنى المناهج، ثم ناقشت التمييزات التربوية الكامنة وراء العمل بالمشروعات الموجه بالمشكلات كما مورس في السنوات الأولى، وأعادت تفسير أعمال روسو وغادامر ونيغت من منظور بيلدونغ دنماركي لدى كيمب ونيلسن لإلقاء ضوء جديد على المفاهيم التربوية والمنهجية المؤسسة لهذه الممارسة
ثانيًا: أبرز النتائج
انتهى التحليل إلى صياغة أدق للخصائص الجوهرية لبيداغوجيا المشروع البيني الموجه بالمشكلات كما تُمارس في صورتها المثالية اليوم، ويمكن عرض أبرز النتائج في النقاط الآتية
1، أظهر فحص السياسات اتجاهًا عامًا نحو مزيد من التوجه التخصصي في عروض البرامج وبنى المناهج على امتداد العقود، بما يضع التعددية التخصصية أمام ضغط مؤسسي متزايد يعيد تشكيل شروط ممارستها
2، تمثل الحرية المنظمة جيدًا داخل المنهج والمعبر عنها بالإطار الموضوعاتي الواسع، إلى جانب توجيه الطلاب لمشروعاتهم بأنفسهم، أقوى سبيلين لدعوة التعددية التخصصية وعمليات البيلدونغ معًا إلى العمل بالمشروعات الموجه بالمشكلات
3، يشترط لنجاح هذه البيداغوجيا أن يسترشد العمل بالمشروعات بمبدأ النموذجية بمعنى أن يمثل المشروع المختار بوابة ممثلة لقضايا معرفية أوسع من حدوده المباشرة، وأن تسند الممارسة ثقافة بيلدونغ راسخة لدى الطلاب والمشرفين ومنظمي التعليم على حد سواء
4، ينبغي أن يكون المشرف قادرًا على دعم الفضاء الكامن للمشروع وعمليات المحاكاة وقابلية الانعكاس بين الأدوار المتماثلة وغير المتماثلة في العلاقة الإشرافية عبر مراحل العمل، بما يبقي عملية التعلم مفتوحة على التساؤل وإعادة التوجيه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير دلالات الدراسة إلى أن التعددية التخصصية في التعليم الجامعي ليست شعارًا يتحقق بمجرد جمع مقررات من تخصصات متعددة، بل ممارسة تربوية مشروطة بتصميم منهجي واع يمنح الطلاب حرية منظمة داخل إطار موضوعاتي واسع ويؤهل المشرفين لأدوار إشرافية مرنة، وتقدم الدراسة إطارًا مفاهيميًا يفيد مطوري البرامج البينية في برامج درجات العلوم الإنسانية والاجتماعية عند التخطيط لمشروعات طلابية تعبر الحدود التخصصية دون التفريط في العمق المعرفي، كما تعيد الاعتبار للبعد التشكلي الإنساني في التعلم الجامعي الذي يعنى بنمو شخصية الطالب وثقافته إلى جانب كفاياته المهنية، وهو بعد غالبًا ما يغيب عن نقاشات ضمان الجودة والمخرجات القابلة للقياس
وخلاصة القول إن خبرة نصف قرن في جامعة آلبورغ تبين أن الجدل حول التعددية التخصصية لا يحسم بالاختيار بين التخصص وضده، بل بفهم الشروط التربوية التي تجعل عبور الحدود مثمرًا وفي مقدمتها الإطار الموضوعاتي الواسع وتوجيه الطلاب ومبدأ النموذجية وثقافة البيلدونغ المشتركة، وتقدم الدراسة بذلك أساسًا نظريًا وتاريخيًا متينًا يمكن للباحثين العرب الاستناد إليه في تطوير نماذج تعلم قائم على المشروعات تراعي سياقات جامعاتهم وخصوصياتها الثقافية والمؤسسية








