يتحمل القطاع الصناعي مسؤولية مباشرة عن نحو 21 في المئة من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على مستوى العالم، ويعود ذلك بصورة رئيسة إلى إنتاج الحرارة اللازمة للعمليات الصناعية اعتمادًا على حرق الوقود الأحفوري في الغلايات، ويعد البخار منخفض الضغط من أكثر صور الطاقة الحرارية طلبًا في قطاعات صناعية متعددة كالغذاء والكيماويات والأدوية، ومع تصاعد الالتزامات المناخية وارتفاع أسعار الطاقة غدت الحاجة ملحة إلى بدائل نظيفة قادرة على خفض الانبعاثات دون المساس بجدوى الإنتاج، غير أن إدخال أي تقنية جديدة إلى السوق يقتضي أولًا تحليل إمكاناتها على نطاق عالمي واسع، وذلك برصد الدول التي تكون فيها كل تقنية أكثر جاذبية في ضوء أسعار الطاقة السائدة فيها ومواردها المتاحة
وتتوافر في السوق اليوم تقنيات متنوعة لتوليد الحرارة ورفع درجتها تتباين في مصادر طاقتها وكلفتها وآثارها البيئية، ما يجعل قرار الاستثمار فيها محفوفًا بالمقايضات بين الكلفة والعائد والاستدامة، ومن هنا تأتي قيمة الدراسات التي تقارن هذه البدائل بمقاييس موحدة عبر بلدان متعددة قبل تعميم أي منها، إذ تمنح صناع القرار الصناعي خريطة واضحة لمواضع الجدوى ومواضع التعثر
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
أجرت الدراسة تحليلًا تقنيًا اقتصاديًا لبدائل متعددة يمكن أن تحل محل غلايات الغاز الصناعية في إنتاج البخار منخفض الضغط عند درجتي حرارة مقدار كل منهما 120 و150 درجة مئوية، وقارنت الدراسة بين أربع منظومات رئيسة هي أنظمة الحرارة الشمسية للعمليات الصناعية التي توظف الطاقة الشمسية المركزة في توليد الحرارة، والغلايات الكهربائية، والمضخات الحرارية عالية الحرارة، ومحولات الحرارة الامتصاصية، واعتمد التحليل على مؤشرات اقتصادية وبيئية في مقدمتها فترة استرداد الاستثمار والكلفة المستوية للحرارة وحجم الوفورات المتحققة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مع مراعاة تفاوت أسعار الكهرباء والغاز ووفرة الإشعاع الشمسي المباشر بين الدول الأوروبية محل الدراسة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، بينت النتائج أن أنظمة الحرارة الشمسية للعمليات الصناعية قادرة على بلوغ فترات استرداد تتراوح بين أربع وخمس سنوات في الدول التي تتجاوز فيها قيم الإشعاع الشمسي المباشر الطبيعي 1400 كيلوواط ساعة لكل متر مربع في السنة، وهو حد يتحقق في إسبانيا وإيطاليا واليونان والبرتغال ورومانيا، 2، حققت المضخات الحرارية عالية الحرارة ومحولات الحرارة الامتصاصية أدنى فترات الاسترداد وأدنى كلفة مستوية للحرارة وأعلى وفورات في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون مقارنة بسائر البدائل، 3، أمكن بلوغ فترات استرداد تقل عن سنة ونصف السنة لكل من محولات الحرارة الامتصاصية والمضخات الحرارية عالية الحرارة، وذلك بصورة خاصة في الدول التي تنخفض فيها نسبة سعر الكهرباء إلى سعر الغاز إلى ما دون 2.0
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد هذه النتائج أن اختيار تقنية توليد البخار الأنسب ليس قرارًا واحدًا يصلح لجميع الدول، بل يتوقف على معادلة محلية تجمع بين أسعار الطاقة ونسبتها بعضها إلى بعض ووفرة الموارد الشمسية، فحيثما توافر إشعاع شمسي مباشر مرتفع غدت الحرارة الشمسية المركزة خيارًا واعدًا بفترات استرداد معقولة، وحيثما انخفضت أسعار الكهرباء قياسًا إلى أسعار الغاز تقدمت المضخات الحرارية والمحولات الامتصاصية بوصفها الخيارات الأسرع استردادًا والأكثر وفورات بيئية، وتفيد هذه النتائج مخططي الطاقة والصناعيين في ترتيب أولويات التحول بعيدًا عن غلايات الغاز، كما تفتح أمام الباحثين في الدول العربية ذات الإشعاع الشمسي المرتفع آفاقًا لدراسة جدوى هذه المنظومات في بيئاتهم الصناعية المحلية وتكييف افتراضاتها مع أسعار الطاقة السائدة لديهم، ويمثل هذا التحليل مرجعًا مبكرًا لأي تقييم لاحق لجدوى هذه التقنيات مع تطور الأسعار والتقنيات
وخلاصة القول إن الدراسة ترسم خريطة عملية لبدائل توليد البخار منخفض الضغط في الصناعة الأوروبية، موضحة أن الحرارة الشمسية المركزة والمضخات الحرارية عالية الحرارة ومحولات الحرارة الامتصاصية تتنافس في حقل تحكمه أسعار الطاقة والموارد المحلية، وأن المفاضلة الواعية بينها وفق هذه المعطيات تمثل خطوة جوهرية نحو خفض الانبعاثات الصناعية ورفع كفاءة استخدام الطاقة في العقود المقبلة








