تعد بيانات القياسات الجسمية والحالة التغذوية أساسية لتحسين ظروف العمل وتصميم محطات العمل واستراتيجيات الصحة المهنية، إذ تسهم في الوقاية من الاضطرابات والحوادث المرتبطة بالعمل، ويكتسب قطاع التجزئة أهمية خاصة في هذا الصدد، لقاعدته العمالية المتنوعة وتعرض عماله المتكرر للوقوف الطويل والمناولة اليدوية والمطالب البدنية العالية
ففي متاجر الأغذية الكبرى يقضي العاملون ساعات طويلة واقفين، ويرفعون الأحمال وينقلونها، ويتعاملون مع رفوف ومعدات صممت غالبًا وفق بيانات قياسات قديمة أو مستعارة من مجتمعات أخرى، وهو ما قد يعرضهم لإجهاد عضلي هيكلي ومخاطر صحية متراكمة، ويجعل تحديث البيانات الجسمية المحلية وتكاملها مع تقييم الحالة التغذوية ومستوى النشاط البدني ضرورة لتصميم إرغونومي شامل ومنصف
كما تتزايد أهمية الحالة التغذوية للعمال بوصفها عاملًا مؤثرًا في الطاقة والتركيز والسلامة أثناء العمل، إذ ترتبط زيادة الوزن وتدني النشاط البدني بارتفاع مخاطر اضطرابات العضلات والعظام والأمراض المزمنة، وهي مخاطر تتفاعل مع المطالب البدنية للوظيفة فتتضاعف آثارها في المهن القائمة على الوقوف والحركة المتكررة ومناولة الأحمال
ويكتسب هذا الموضوع بعدًا إضافيًا مع شيخوخة القوى العاملة وارتفاع نسب الأمراض المزمنة المرتبطة بنمط الحياة، إذ لم يعد تصميم بيئة العمل قضية راحة فحسب، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في استدامة التوظيف وقدرة العمال الأكبر سنًا والأكثر عرضة للمخاطر الصحية على مواصلة العمل بأمان وكفاءة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة المقطعية إلى بناء قاعدة بيانات للقياسات الجسمية وتقييم الحالة التغذوية لدى عمال شركة برتغالية لتجارة الأغذية بالتجزئة، بما يقدم أدلة تدعم إعادة تصميم محطات العمل والمهام بصورة إرغونومية، ومبادرات تعزيز صحة العمال، وجمعت البيانات من مئة وخمسة وخمسين عاملًا في متاجر كبرى في شمال البرتغال، منهم مئة وسبع عشرة امرأة وثمانية وثلاثون رجلًا، تراوحت أعمارهم بين الثامنة عشرة والرابعة والستين، وجرى تقييم ثمانية وعشرين قياسًا جسميًا وسبعة معايير لتكوين الجسم، ويعتمد بناء قواعد البيانات الجسمية على قياسات موحدة بأدوات معايرة وبروتوكولات ثابتة تضمن قابلية المقارنة والاستخدام الهندسي، إذ تتحول القياسات إلى توزيعات توجه أبعاد محطات العمل وارتفاعات الأسطح ومساحات الوصول والحركة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، قدم الرجال عمومًا متوسطات أبعاد جسمية أكبر من متوسطات النساء عبر معظم القياسات، باستثناء عرض الورك وارتفاع المرفق في وضع الجلوس حيث تقدمت قياسات النساء
2، أظهر الرجال انتشارًا أعلى لزيادة الوزن مقارنة بالنساء، بينما كانت السمنة أكثر تكرارًا لدى النساء، بما يعكس أنماطًا مختلفة للمخاطر التغذوية بين الجنسين
3، أبرزت النتائج انتشارًا مرتفعًا للوزن الزائد عمومًا، مقترنًا بمستويات متدنية من النشاط البدني، وهو اقتران يضاعف الحاجة إلى تدخلات صحية في بيئة العمل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد النتائج الحاجة إلى تحديث بيانات القياسات الجسمية وبنائها محليًا، ودمج التصميم الإرغونومي الشامل وبرامج تعزيز الصحة في أماكن العمل ضمن سياسات قطاعية مستدامة، ويمكن لأصحاب الأعمال استثمار هذه القواعد في اختيار المعدات والأثاث التشغيلي الملائم لتنوع أجساد العاملين من الجنسين وباختلاف أعمارهم، ويستفيد الباحثون العرب وطلاب الدراسات العليا في الصحة المهنية والإرغونوميا من منهجية هذه الدراسة في بناء قواعد بيانات جسمية لقطاعات عمالية محلية، إذ تعتمد كثير من بيئات العمل العربية على مقاسات ومعدات مصممة وفق بيانات مجتمعات أخرى، كما تفتح النتائج بابًا لدراسات تربط بين تصميم المهام والحالة التغذوية والنشاط البدني لدى العاملين في بيئات عمل مشابهة
كما تدعم النتائج دمج فحوص القياسات الجسمية والتقييم التغذوي في برامج الصحة المهنية الدورية، بحيث تتحول البيانات المجمعة إلى قرارات تصميمية وتدخلات وقائية موثقة، بدل بقائها أرقامًا أرشيفية لا تستثمر في تحسين بيئات العمل الفعلية
وخلاصة القول إن الاستثمار في بيانات جسمية محدثة وتصميم إرغونومي شامل وبرامج صحة في مكان العمل ليس ترفًا تنظيميًا، بل مدخل وقائي يحمي العمال ويرفع كفاءة العمل في قطاع حيوي كقطاع التجزئة، ويمهد الطريق لدراسات طولية تتبع تغير القياسات والحالة الصحية للعمال عبر الزمن








