تواجه المدارس التي تدرّس بلغة أقلية محمية وضعًا تعليميًا فريدًا لا تنطبق عليه التصنيفات المعتادة لتعليم اللغات، فحين تكون لغة التدريس هي لغة جماعة وطنية محمية قانونًا، بينما لا يلتقي بها كثير من التلاميذ إلا داخل المدرسة، يصبح بناء نموذج تعليمي ملائم ضرورة ملحة، ويتناول هذا المقال تجربة المدارس ذات الوسيط السلوفيني في إيطاليا، وهي مدارس حكومية لغة تدريسها السلوفينية ولغة محمية للجماعة الوطنية السلوفينية، وقد طُوّر فيها نموذج لتعليمات لغة الأقلية عبر عملية بحث إجرائي تشاركي امتدت ست سنوات، ويهمّ هذا الموضوع الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في التربية وتعليم اللغات، لأن قضايا تعليم اللغات في سياقات التعدد اللغوي والثقافي حاضرة بقوة في المنطقة العربية، وتقدّم هذه التجربة نموذجًا تحليليًا قابلًا للنقل والتكييف مع سياقات تعليمية مشابهة تشهد تباينًا بين لغة المدرسة ولغة المجتمع المحيط، إذ لا يقتصر الاهتمام بهذا النموذج على السياق السلوفيني وحده، بل يمتد إلى كل بيئة تعليمية تعاني فجوة بين لغة المدرسة ولغة الحياة اليومية لطلابها، حيث يصبح المعلم المصدر شبه الوحيد للتعرض المنظم للغة التدريس
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل كيفية تطوير نموذج تعليمي للغة الأقلية عبر عملية بحث إجرائي تشاركي استمرت ست سنوات في المدارس السلوفينية الوسيط في إيطاليا بين عامي 2019 و2025، واعتمدت تحليلًا وثائقيًا بأثر رجعي أعاد بناء أربعة برامج معتمدة للتطوير المهني نُفذت بين عامي 2019 و2022، ومراحل لاحقة شملت التشاور وصقل المناهج وتطوير المواد التعليمية والمراجعة الموثقة القائمة على الممارسة والامتداد إلى تطوير التقويم، وتكوّنت المدونة التحليلية المحددة من 36 مصدرًا توزعت بين 22 مصدرًا وثائقيًا و14 وحدة تعليمية، وحُلّلت البيانات نوعيًا بترتيب المدونة زمنيًا وترميز المشكلات التعليمية المتكررة ومقارنة النواتج عبر الدورات المتعاقبة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أسفرت العملية عن نموذج ثنائي الأبعاد، أول أبعاده بُعد إجرائي يربط بين التشخيص الاجتماعي اللغوي والتعلم المهني التشاركي وتطوير المناهج ودعم اللغة على مستوى المدرسة كلها وتطوير المواد التعليمية وتنفيذها ومواءمة التقويم في سلسلة متكاملة
2، يتمثل البعد الثاني في بُعد تعليمي يقوم على التمايز بين المتعلمين والمدخلات اللغوية المكيّفة وقواعد اللغة المؤطرة في سياقاتها والدمج التواصلي والسقالات التعليمية والتغذية الراجعة التكوينية ونمذجة اللغة على مستوى المدرسة بأكملها
3، أظهرت الدراسة أن وضع المدارس السلوفينية لا يمكن وصفه وصفًا دقيقًا ضمن فئات تعليم اللغة الأولى أو الثانية أو الأجنبية أو لغة التراث، لأن كثيرًا من التلاميذ لا يلتقون بالسلوفينية إلا عبر التمدرس، وهو ما يستدعي تعليمات مصممة خصيصًا لهذا الوضع
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدّم هذه الدراسة نموذجًا قابلًا للنقل التحليلي لدعم الطلاب متعددي اللغات في التعليم الذي تكون لغة تمدرسه أقل هيمنة اجتماعيًا خارج أسوار المدرسة، وتؤكد أن تطوير تعليمات لغات الأقليات عملية تراكمية طويلة النفس تتطلب شراكة حقيقية بين الباحثين والمعلمين وإدارات المدارس، لا تدخلات سريعة معزولة، وتفيد هذه النتائج القائمين على تعليم اللغات في سياقات الأقليات والتعدد اللغوي في تصميم برامج تطوير مهني مستدامة وربطها بتطوير المناهج والمواد والتقويم في منظومة واحدة، كما تفتح أمام الباحثين العرب أفقًا لدراسة سياقات مشابهة في العالم العربي حيث تتعايش لغات ولهجات متعددة داخل البيئة المدرسية الواحدة وتحتاج إلى نماذج تعليمية تراعي هذا التنوع، كما أن توثيق مراحل التطوير دورة بعد دورة يجعل التجربة قابلة للدراسة والتقليد، إذ يستطيع الباحثون تتبع كيفية تحول المشكلات التعليمية المتكررة إلى مكونات مستقرة في النموذج النهائي عبر سنوات العمل المشترك بين المعلمين والباحثين
وخلاصة القول إن تجربة المدارس السلوفينية في إيطاليا تُظهر أن بناء تعليمات فعالة للغة الأقلية ممكن عبر بحث إجرائي تشاركي طويل المدى ينتج نموذجًا من بعدين متكاملين، إجرائي يربط التشخيص بالتطوير المهني والمناهج والتقويم، وتعليمي يقوم على التمايز والسقالات والتغذية الراجعة التكوينية، وهو نموذج يلهم سياقات تعليمية أخرى تسعى إلى إنصاف لغات أقل حضورًا في المجتمع ومنح متعلميها تعليمًا رصينًا ومؤثرًا








