أحدثت جائحة كورونا اضطرابًا واسعًا في تقديم التعليم على مدى عامين دراسيين، إذ وجدت المدارس نفسها أمام أعباء عمل متزايدة ونطاق مسؤوليات متسع شمل رعاية الطلاب صحيًا ونفسيًا ومتابعة أسرهم، وأثر ذلك في العاملين جسديًا ونفسيًا ومهنيًا، ومع أن القيود رفعت في إنجلترا في صيف عام 2021، فإن آثار الجائحة لم تنته بانتهاء الإغلاقات، بل ظل العاملون يعانون تبعاتها ويواجهون تحديات جديدة لاحقة لها كأزمة غلاء المعيشة، وهو ما يجعل تجربتهم موضوعًا يستحق الفحص الممتد عبر الزمن
وتنبع أهمية هذه الدراسة من أن خطط التعافي التعليمي تركز غالبًا على تعويض الطلاب ما فاتهم من تعلم، بينما يغيب صوت العاملين أنفسهم ممن حملوا عبء الاستمرارية في أقسى الظروف، ففهم تجربتهم المستمرة شرط لتصميم دعم واقعي يحفظ قدرة قطاع التعليم على الصمود والفاعلية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص كيفية تأثير الجائحة واضطرابات المدارس في المعلمين وبقية العاملين، وكيفية استمرار تجربتهم بعد رفع جميع القيود، واعتمدت مقابلات شبه منظمة عبر الإنترنت أجريت مع 23 من العاملين في العام الدراسي 2021 و2022، ثم مع تسعة من العاملين في العام الدراسي 2023 و2024، بما أتاح تتبع التجربة عبر مرحلتين زمنيتين ومقارنة ما استجد فيها
ثانيًا: أبرز النتائج
1، كانت الجائحة مرحلة شاقة على العاملين، إذ تأثرت رفاهيتهم وأعباء عملهم تأثرًا كبيرًا بفعل الاضطراب الممتد واتساع المسؤوليات
2، ما يزال العاملون يكابدون آثار الجائحة رغم رفع القيود في إنجلترا في صيف عام 2021، ويواجهون في الوقت نفسه تحديات ناشئة بعد الجائحة كأزمة غلاء المعيشة التي ضغطت على حياتهم المهنية والشخصية
3، عبر العاملون عن شعور باستنزاف عاطفي ناتج من حرصهم المستمر على سلامة الطلاب ودعمهم، مقابل غياب من يقدم لهم الدعم نفسه، إذ لخصت إحدى المشاركات تجربتها بأن التأكد من أن الناس بخير أمر مرهق ولا يقوم به أحد من أجلها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير نتائج هذه المقابلات إلى أن أثر الجائحة في العاملين بالمدارس كان طويل الأمد، وتبرز الحاجة إلى إشراك العاملين في أي مناقشات تتصل بخطط التعافي بدل فرضها عليهم من الأعلى، كما تؤكد أهمية إعطاء الأولوية لأنظمة دعم مستدامة وموارد كافية للعاملين بما يضمن صمود قطاع التعليم وفاعليته، وهي دلالات تتجاوز السياق الإنجليزي إلى كل نظام تعليمي مر بتجربة الجائحة، فالمدارس العربية على سبيل المثال خرجت من الإغلاقات بأعباء متراكمة على المعلمين والمديرين لم تحظ بالرصد الكافي، ويمكن للباحثين العرب توظيف التصميم الطولي النوعي نفسه في توثيق تجارب العاملين في مدارسهم وتحويلها إلى أساس لسياسات دعم مستدامة تراعي رفاه المعلم شرطًا لجودة تعلم الطلاب
وتشير تجارب الأنظمة التعليمية في الأزمات عمومًا إلى أن العاملين في المدارس يمثلون خط المواجهة الأول فيها، فهم من يبقون المدرسة عاملة فعليًا ولو عن بعد، وهم من يمتصون قلق الطلاب والأسر ويحملونه معهم إلى بيوتهم، ولذلك فإن تجاهل رفاههم في خطط ما بعد الأزمات لا يهدد صحتهم وحدهم بل يهدد استمرارية التعليم ذاته، إذ يترجم الاستنزاف المتراكم بمرور الوقت إلى غياب متكرر وترك للمهنة ونقص مزمن في الكوادر يصعب تعويضه
كما أن الاستماع المنهجي إلى أصوات العاملين عبر المقابلات الطولية المتتابعة يزود صانع القرار بصورة حية عن تطور الأعباء والاحتياجات عبر الزمن، بدل الاكتفاء بمؤشرات كمية صامتة تسجل أعداد الغياب والاستقالات دون أن تكشف كيف يعيش المعلمون والمديرون أزمات ما بعد الأزمة في حياتهم اليومية داخل المدرسة وخارجها
وخلاصة القول إن الجائحة لم تنته بالنسبة إلى كثير من المعلمين ومديري المدارس بانتهاء الإغلاقات، بل تركت أعباء نفسية ومهنية ممتدة تتفاعل مع ضغوط جديدة، ومن ثم فإن أي تعاف تعليمي حقيقي يبدأ من الاعتناء بمن يحملون العملية التعليمية أنفسهم وإشراكهم في رسم خطط التعافي








