تمهيد
تثير العلاقة بين التجارة الخارجية والنمو الاقتصادي والإنفاق العسكري اهتمامًا متزايدًا في أدبيات الاقتصاد السياسي واقتصاديات الدفاع، إذ قد لا تقتصر آثار التجارة على موازين التبادل والمدفوعات، بل تمتد عبر قنوات غير مباشرة إلى قرارات الإنفاق العام ومنها الإنفاق الدفاعي، فحين تسهم الصادرات في تحفيز النمو الاقتصادي تتسع الموارد المتاحة للدولة وقد ينعكس ذلك في قدرتها على تمويل جيوشها وبرامجها العسكرية، وتكتسب هذه القضية حساسية خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تتفاوت فيها علاقات الدول مع إسرائيل بين علاقات دبلوماسية وتجارية قائمة وغياب تام لتلك العلاقات، وهو تفاوت يتيح اختبار ما إذا كانت القناة الاقتصادية غير المباشرة تعمل بالقدر ذاته في الحالتين أم أنها مشروطة بوجود روابط دبلوماسية واقتصادية أرسخ
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص ما إذا كانت صادرات إسرائيل إلى دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تؤثر في إنفاقها العسكري بصورة غير مباشرة عبر نموها الاقتصادي خلال الفترة الممتدة من عام 1995 إلى عام 2023، وأُجري التحليل على ثلاث عينات متوازية هي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مجمعة، ودول المنطقة التي تربطها بإسرائيل علاقات دبلوماسية، ودول المنطقة التي لا تربطها بها علاقات دبلوماسية، واعتمدت الدراسة في التقدير على طريقة المربعات الصغرى الاعتيادية مع استخدام اختبارات والد للتحقق من دلالة الآثار المباشرة وغير المباشرة، وهو تصميم يتيح عزل قناة النمو الاقتصادي بوصفها وسيطًا محتملًا بين التجارة والإنفاق العسكري في كل عينة على حدة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أسهم نمو صادرات إسرائيل إلى عينة المنطقة مجمعة وإلى عينة الدول ذات العلاقات الدبلوماسية إسهامًا إيجابيًا في نموها الاقتصادي، بما يشير إلى أن هذه الصادرات تشكل رافدًا فعليًا من روافد النشاط الاقتصادي
2، أدى النمو الاقتصادي بدوره إلى زيادة دالة في الإنفاق العسكري، فكلما تحسّن الأداء الاقتصادي اتسعت قدرة الدولة على تخصيص موارد أكبر للإنفاق الدفاعي
3، كان الأثر غير المباشر للصادرات في الإنفاق العسكري عبر قناة النمو الاقتصادي إيجابيًا ودالًا إحصائيًا في عينة المنطقة مجمعة وفي عينة الدول ذات العلاقات الدبلوماسية على السواء
4، لم تظهر أي آثار مباشرة أو غير مباشرة دالة للتجارة مع دول المنطقة غير ذات العلاقات الدبلوماسية، ما يوحي بأن القناة الاقتصادية لا تعمل في غياب الروابط الدبلوماسية والاقتصادية الراسخة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج مجملًا إلى أن التجارة قادرة على التأثير في الإنفاق العسكري بصورة غير مباشرة عبر النمو الاقتصادي، ولا سيما حيث توجد روابط دبلوماسية واقتصادية أقوى، وهي نتيجة ذات دلالة للباحثين في العلاقات الاقتصادية الإقليمية واقتصاديات الدفاع وفي دراسات التطبيع الاقتصادي وآثاره، إذ تبين أن التكامل التجاري لا يبقى أثره محصورًا في المجال الاقتصادي الصرف بل قد يمتد إلى معادلات الأمن والإنفاق الدفاعي، كما تدعو النتائج إلى الحذر المنهجي عند تعميم آثار التجارة بين سياقات متفاوتة، فدراسة العينات منفصلة بحسب طبيعة العلاقات الدبلوماسية كشفت فروقًا جوهرية كانت ستختفي لو اكتُفي بتحليل مجمّع واحد، ويمثل هذا الدرس فائدة منهجية لطلاب الدراسات العليا العرب المهتمين بدراسات المنطقة واقتصادها السياسي
وتضيف الدراسة إلى أدبيات العلاقات التجارية الإقليمية من زاوية مغايرة، إذ لا تكتفي بقياس الأثر المباشر للتجارة بل تتعقب انتقاله عبر قناة وسيطة كاملة تتمثل في النمو الاقتصادي، وهو مدخل تحليلي يفيد الباحثين العرب في الاقتصاد السياسي عند دراسة التكتلات والاتفاقيات التجارية في المنطقة، كما يلفت انتباه طلاب الدراسات العليا إلى أن الأهمية الفعلية لاتفاق تجاري قد تكمن في آثاره غير المباشرة المتراكمة عبر النمو لا في أرقام التبادل المباشرة وحدها
وخلاصة القول إن صادرات إسرائيل إلى دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ترتبط بإنفاقها العسكري عبر قناة النمو الاقتصادي في العينات ذات العلاقات الدبلوماسية القائمة، بينما تنقطع هذه القناة حيث تغيب تلك العلاقات، ومن ثم فإن فهم التداخل بين التجارة والنمو والدفاع يتطلب النظر إلى البنية السياسية للعلاقات بقدر النظر إلى الأرقام التجارية ذاتها








