تمهيد
تُعد التيجان الفولاذية غير القابلة للصدأ من أنجح وسائل ترميم الأرحاء اللبنية المتسوسة عند الأطفال وأكثرها ثباتًا من الناحية السريرية، غير أن مظهرها المعدني الفضي الواضح داخل الفم قد يثير قضايا نفسية واجتماعية تتجاوز نجاح الترميم ذاته، إذ يتعامل الطفل في سنوات مدرسته الأولى مع أقران لا يترددون في التعليق على أي اختلاف ظاهر في الأسنان، وقد يتحول هذا الاختلاف إلى مادة للسخرية والتنمر اللفظي والاستبعاد الاجتماعي، بينما ينقسم موقف الوالدين غالبًا بين الرضا عن كفاءة العلاج وظيفيًا والقلق على تقبل طفلهم النفسي له، ومن هنا برزت الحاجة إلى دراسات ميدانية عربية تقيس هذا البعد النفسي الاجتماعي قياسًا مباشرًا من وجهتي نظر الطفل ووالديه معًا، وهو ما تقدمه هذه الدراسة من مدينة الدمام بالمملكة العربية السعودية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم الأثر النفسي الاجتماعي للتيجان الفولاذية لدى أطفال المدارس الابتدائية في الدمام، مع التركيز على تجارب التنمر ورضا الأطفال وإدراك الوالدين، واعتمدت تصميم مسح مقطعي أجري في يونيو 2025 وشمل 123 طفلًا بلغ متوسط أعمارهم 7.8 سنوات وشكل الذكور 52 في المئة منهم، واختيرت مدرستان اختيارًا عشوائيًا بسيطًا من قائمة معتمدة من وزارة التعليم، وكان مؤهلًا للمشاركة كل طفل بين السادسة والعاشرة لديه تاج فولاذي واحد على الأقل مركب منذ ستة أشهر أو أكثر، وطبق استبيان مقنن ذاتي الإكمال أجاب عنه الأطفال ووالدوهم وقاس التنمر المرتبط بالتاج والرضا عن مظهره والأثر المدرك، وحللت البيانات بإحصاءات وصفية واختبارات مربع كاي والانحدار اللوجستي لتقييم الارتباطات بين المتغيرات عند مستوى دلالة أقل من 0.05
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أفاد 39.0 في المئة من الأطفال بتعرضهم للتنمر بسبب التاج، وكان التنمر اللفظي أكثر صوره شيوعًا بنسبة 58.1 في المئة، تلاه الاستبعاد الاجتماعي بنسبة 29.1 في المئة
2، لم تكن الفروق بين الجنسين في التعرض العام للتنمر دالة إحصائيًا، غير أن الذكور أفادوا أكثر بتعرضهم للسخرية القائمة على الألقاب بدلالة إحصائية واضحة
3، لم تتجاوز نسبة رضا الأطفال عن شكل التاج 35.0 في المئة، بينما بلغت نسبة رضاهم عن لونه 29.3 في المئة فقط، وشعر نحو نصف الأطفال، بنسبة 48.8 في المئة، بعدم الارتياح حين يسألون عن التاج
4، في المقابل كان رضا الوالدين أعلى إذ بلغ 69.1 في المئة، بينما لم تتجاوز نسبة من اعتقدوا أن طفلهم تقبل التاج تقبلًا كاملًا 42.3 في المئة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكشف المقارنة بين موقفي الأطفال والوالدين فجوة إدراكية مهمة، فبينما يركز الوالدان على كفاءة التاج ودوامه يختبر الطفل يوميًا أثره الجمالي والاجتماعي في بيئة المدرسة، ومن ثم فإن الاعتماد على رضا الوالدين مؤشرًا وحيدًا لنجاح الترميم يخفي كلفة نفسية حقيقية يتحملها قطاع معتبر من الأطفال، وتدعو النتائج أطباء أسنان الأطفال إلى إشراك الطفل في قرار الترميم وشرح الخيارات بلغة تناسب عمره، والنظر في البدائل التجميلية كالتيجان الخزفية متى توافرت وأمكن تحمل كلفتها، كما تدعو إدارات المدارس والمرشدين إلى رصد التنمر المرتبط بالمظهر ضمن برامج مكافحة التنمر المدرسي، وتقدم الدراسة للباحثين في طب أسنان الأطفال والصحة النفسية المدرسية نموذجًا عربيًا لقياس النواتج المتمحورة حول الطفل، ويستفيد منها طلاب الدراسات العليا في إدراك أن نجاح التدخل العلاجي لا يكتمل بمعاييره السريرية وحده
وينبغي قراءة هذه النتائج أيضًا في ضوء ما أظهرته بحوث التنمر المدرسي عمومًا من آثار متراكمة للسخرية المتعلقة بالمظهر على تقدير الذات والتحصيل والاندماج الاجتماعي لدى الأطفال، إذ قد يبدأ أثر تعليق عابر في ساحة المدرسة صغيرًا ثم يتسع مع التكرار حتى يدفع الطفل إلى تجنب الابتسام والحديث أمام الآخرين أو كراهية زيارات طبيب الأسنان ذاتها، وهو ما يجعل التدخل المبكر على مستوى التوعية المدرسية والحوار الأسري بالغ الأهمية، كما يحفز الباحثين على دراسات متابعة تقارن بين التيجان الفولاذية والبدائل التجميلية الحديثة في رضا الأطفال ونوعية حياتهم على المديين القصير والطويل وبمنهجيات تجمع بين تقارير الطفل والوالدين وملاحظة الأقران
وخلاصة القول إن التيجان الفولاذية فعالة سريريًا ومقبولة لدى معظم الوالدين، غير أن نسبة معتبرة من الأطفال يعانون بسببها التنمر وعدم الرضا الجمالي، وهو ما يبرز الحاجة إلى رعاية متمحورة حول الطفل وأخذ البدائل التجميلية بعين الاعتبار عند ترميم أسنان الأطفال








