تمهيد
تحولت منصات التواصل الاجتماعي ولا سيما إنستغرام إلى ساحة مركزية للاتصال السياسي المعاصر، إذ لم تعد الصورة المرئية مجرد زينة للرسالة السياسية بل صارت ناقلًا رئيسًا للمعنى والانتماء والهوية، وفي قلب هذا التحول يقف القصص السياسي العاطفي الذي يخاطب مشاعر الجمهور قبل أن يخاطب عقله، فيستنهض الحنين والخوف والأمل ويعيد ترتيب ولاءات ناخبين ممزقين بين معسكرات متنافرة، وتعد المنافسة بين الرئيسين الأمريكيين دونالد ترامب وجو بايدن مختبرًا مثاليًا لدراسة هذه الظاهرة، فعلى الرغم من تصويرهما غالبًا نقيضين أيديولوجيين، قد يكشف النظر المتأني في خطابهما البصري عن قاموس عاطفي مشترك أعمق من خلافاتهما، وهو ما تسعى هذه الدراسة إلى كشفه وتحليله في سياق نظرية التأثير والاتصال السياسي البصري
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى فحص كيفية توظيف ترامب وبايدن لمنصة إنستغرام بوصفها مسرحًا للقصص السياسي العاطفي خلال حملاتهما وفترتي رئاستهما، والتعرف إلى الأنماط الوجدانية المركزية التي بنيا عبرها سرديات لامست مشاعر الجمهور الأمريكي، واعتمدت على تحليل موضوعي لعينة ضخمة من منشورات إنستغرام بلغ عدد ما راجعته نحو 9000 منشور مع تحليل معمق لمنشورات مختارة، واستندت في تأطيرها إلى نظرية التأثير وأدبيات الاتصال السياسي البصري، وتتبعت كيفية تفاعل الزعيمين مع التيارات العاطفية السائدة في المجتمع الأمريكي وإعادة تشكيلها، وكيفية توظيف العاطفة موردًا سرديًا في الاتصال السياسي الرقمي
ثانيًا: أبرز النتائج
1، حدد التحليل ستة أنماط عاطفية مركزية انتظمت فيها سرديات الزعيمين هي الحنين والخوف والفخر والأمل والوحدة والمظلومية، وقد وظفها كل منهما لبناء حكايات وجدانية مؤثرة في جمهوره
2، أظهرت النتائج أن ترامب وبايدن يعملان ضمن قواعد عاطفية مشتركة على الرغم من صورتهما نقيضين أيديولوجيين، إذ عبأ كلاهما التوق إلى الماضي والاستعادة الرمزية والوضوح الأخلاقي لإعادة اصطفاف ناخبين ممزقين وجدانيًا
3، يعزز إنستغرام هذه الاستراتيجيات بما يوفره من جماليات الألفة والتكثيف الرمزي، إذ يقدم مفردات بصرية ملائمة لمزاج الجمهور العاطفي تختزل المواقف المعقدة في صور وشعارات عالية الشحنة الوجدانية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسهم هذه الدراسة في أدبيات الجمهور العاطفي وتبسيط السياسة عاطفيًا ودور القصص البصري في أداء الشرعية الديمقراطية في العصر الرقمي، وهي مفاهيم يحتاجها الباحث العربي في الإعلام السياسي لفهم حملات انتخابية واستفتاءات في بيئات عربية باتت فيها المنصات البصرية ساحة التنافس الأولى، كما تنبه النتائج محللي الخطاب وممارسي التربية الإعلامية إلى أن الاختلاف البرامجي المعلن قد يخفي تشابهًا عميقًا في آليات الاستمالة الوجدانية، مما يستدعي أدوات نقدية تتجاوز المضمون النصي إلى تحليل الصورة والإيقاع العاطفي للحملات، وتدريب الجمهور على قراءة التكثيف الرمزي قراءة واعية لا تنساق خلف الشحنة الانفعالية وحدها
وتتجاوز دلالات هذه النتائج الساحة الأمريكية إلى كل ديمقراطية تتنافس فيها الحملات على المنصات البصرية، ففي العالم العربي تشهد الانتخابات والاستفتاءات وحملات التأييد الشعبي توظيفًا متصاعدًا للصورة والرمز والحكاية الشخصية على المنصات ذاتها، ويجد الباحث العربي في الإعلام السياسي هنا عدسة تحليلية جاهزة لرصد الأنماط الوجدانية في الخطاب الرقمي المحلي من حنين إلى ماض متخيل وخوف من خصم مهدد وفخر بهوية جماعية وأمل في خلاص قريب، كما تصلح الدراسة مادة تدريبية لطلاب الدراسات العليا على التحليل الموضوعي للعينات الضخمة والتمييز بين مستوى المنشورات المراجعة ومستوى التحليل المعمق، وتنبه معلمي التربية الإعلامية إلى أن تدريب المواطنين على كشف التكثيف الرمزي وتبسيط السياسة عاطفيًا صار جزءًا من صون الوعي الديمقراطي ذاته في عصر الخوارزميات
وخلاصة القول إن حملتي ترامب وبايدن على إنستغرام كشفتا عن اشتراك الزعيمين المتنافسين في قواعد عاطفية واحدة للحكاية السياسية، قوامها الحنين والاستعادة والوضوح الأخلاقي، وأن العاطفة غدت موردًا سرديًا مركزيًا في الاتصال السياسي الرقمي يعيد تشكيل علاقة المواطن بالسلطة والانتماء








