تمهيد
يتزايد الاعتراف بتحمل الغموض والقدرة على التأمل بوصفهما كفايتين جوهريتين للعاملين في مجال الرعاية الصحية، إذ يواجه الطبيب في ممارسته اليومية مواقف تشخيصية وعلاجية لا تتوفر فيها اليقينيات الكاملة، ويحتاج إلى تأمل ممارسته ونقدها باستمرار ليتعلم من خبرته ويطور أداءه، ومن ثم أصبح التعزيز المستهدف لهاتين الكفايتين في التعليم الطبي أمرًا متزايد الأهمية، غير أن البحوث حول ارتباط تحمل الغموض والقدرة على التأمل بالخصائص الفردية للطلبة كالعمر والجنس ما تزال محدودة ونتائجها القائمة غير متسقة، وهو ما يترك فجوة معرفية حول ما إذا كانت التدخلات التعليمية ينبغي أن تختلف باختلاف خصائص الطلبة أو تصمم بصورة موحدة للجميع، فالطالب الذي لا يحتمل الغموض قد يتعجل إغلاق المواقف السريرية المفتوحة بقرارات متسرعة، والطالب الذي لا يتأمل ممارسته قد يكرر أخطاءه وأنماط استجابته دون وعي نقدي بها، ولذلك عدت هاتان الكفايتان من صميم الكفايات المهنية التي يتوقع من كليات الطب بناؤها ومتابعتها منذ سنوات الدراسة الأولى
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم تحمل الغموض والقدرة على التأمل لدى طلبة الطب عند التحاقهم بكلية الطب، وفحص ارتباطهما بالعمر والجنس، واستكشاف الدلالات المترتبة على ذلك للتصميم المخصص للتدخلات التعليمية، ودعي جميع طلبة السنة الأولى في جامعة لودفيغ ماكسيميليان وجامعة ميونخ التقنية إلى المشاركة في المسح أثناء مقرر مشترك إلزامي بعنوان مدخل إلى الطب السريري، وطبق الاستبيان إلكترونيًا عبر نظام إيفاسيس وتضمن مقياس جرونينجن للقدرة على التأمل ومقياس تحمل الغموض وبيانات ديموغرافية، وشمل التحليل النهائي 761 مشاركًا، أمكن تحديد العمر لدى 384 منهم والجنس لدى 493 مشاركًا، وحللت العلاقات بتحليلات الانحدار الخطي على مستوى الدرجات الكلية وعلى مستوى البنود المفردة، واعتمدت الدراسة في قياسها على أدوات موثقة دوليًا طبقت على دفعة السنة الأولى في المؤسستين خلال مقرر مشترك يجمع الطلبة جميعًا، مما يمنح النتائج قاعدة وصفية صلبة لمستوى هاتين الكفايتين عند نقطة الدخول إلى التعليم الطبي قبل أن تتشكل خبرات الطلبة السريرية والتأملية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، رسم قياس تحمل الغموض صورة مختلطة لدى الطلبة، إذ أبدوا انفتاحًا على التجارب الجديدة وفي الوقت نفسه عبروا عن تفضيل للقابلية للتنبؤ والروتين، وهو ما يعكس طبيعة مركبة لهذه الكفاية لا تختصر في درجة واحدة
2، لم يكشف تحليل الانحدار الخطي عن أي ارتباط دال إحصائيًا بين الدرجات الكلية لتحمل الغموض وكل من العمر والجنس، إذ تجاوزت جميع قيم الدلالة مستوى 0.05 المعتمد
3، ظهرت فروق دالة إحصائيًا بين الجنسين على مستوى البنود المفردة من مقياس تحمل الغموض، إذ أبلغت الطالبات عن تحمل أدنى للغموض مقارنة بزملائهن الطلاب
4، لم ترتبط الدرجات الكلية للقدرة على التأمل بالعمر أو الجنس بدلالة إحصائية، في حين أظهرت الطالبات على مستوى البنود المفردة مستويات أعلى من التقليل من تقدير الذات والشك الذاتي مقارنة بالطلاب
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أن الصورة الكلية المتقاربة بين الطلبة تخفي فروقًا دقيقة مرتبطة بالجنس في جوانب محددة من تحمل الغموض والتأمل، ونظرًا لارتفاع نسبة الطالبات في كليات الطب فإن هذه الفروق قد تستدعي مزيدًا من البحث والمراعاة في تطوير المناهج بما يضمن فرصًا منصفة للجميع ويعد كل الطلبة إعدادًا أمثل للممارسة السريرية، وهي دلالة جديرة باهتمام الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في التعليم الطبي، إذ تدعو إلى قياس الكفاءات الوجدانية والانعكاسية لدى طلبة الطب منذ السنة الأولى وتصميم أنشطة داعمة تراعي الفروق الفردية الدقيقة دون تصنيف الطلبة أو وصمهم، وتعد طريقة تحليل البنود المفردة جنبًا إلى جنب مع الدرجات الكلية درسًا منهجيًا مهمًا تقدمه هذه الدراسة، إذ إن الاكتفاء بالمتوسطات والدرجات الكلية قد يحجب فروقًا تعليمية ذات معنى تستحق الانتباه والتدخل والدعم المبكر
وخلاصة القول إن تحمل الغموض والقدرة على التأمل لدى طلبة الطب الجدد لا يرتبطان في درجتيهما الكليتين بالعمر أو الجنس، غير أن فروقًا نوعية على مستوى البنود بين الجنسين تستحق أن تؤخذ في الحسبان عند بناء برامج تعزيز هاتين الكفايتين في المناهج الطبية








