تمهيد
يطرح الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومنه شات جي بي تي بنسخته 3.5، تحديات أكاديمية متزايدة على مستخدميه من طلبة الجامعات، وقد ركزت الأدبيات السابقة في معظمها على عينات طلابية غير متنوعة، وهو ما حد من فهم منظورات الطلبة متنوعي الخلفيات وتجاربهم الفعلية في استخدام هذه الأدوات في عملية التعلم، ويواجه الطلبة متنوعو الخلفيات تحديات خاصة في تلبية احتياجاتهم التعلمية وفي طلب الدعم الأكاديمي الإضافي، ومن ثم فإن الاستماع إلى تجاربهم يمثل مدخلًا ضروريًا لفهم أثر هذه التقنيات في عدالة التعلم وشموله، ولرسم سياسات وممارسات تعليمية تراعي تنوع الطلبة واختلاف ظروفهم وخلفياتهم الثقافية والاجتماعية واللغوية، وينطلق الاهتمام بهذا الموضوع من أن الطلبة لا يخوضون تجربة تعليمية واحدة متجانسة، إذ تتقاطع خلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية واللغوية لتشكل تجارب متباينة في الوصول إلى الموارد والدعم وفي التعامل مع التقنيات الجديدة، ومن ثم فإن تعميم نتائج دراسات أجريت على عينات طلابية متجانسة على جميع الطلبة قد يخفي فروقًا جوهرية تستحق الرصد والفهم والتفسير
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص تجارب الطلبة متنوعي الخلفيات في استخدام شات جي بي تي للتعرف على تحديات التعلم وفرصه في التعليم العالي، واستندت في تأطيرها النظري إلى نظرية التقاطعية ونظرية التعلم الاتصالية، واعتمدت منهجًا نوعيًا بتصميم الاستقصاء النوعي العام، إذ أجريت مقابلات مع 27 مشاركًا من الطلبة متنوعي الخلفيات في مؤسسة تعليم عال عامة، وطرحت الدراسة سؤالين رئيسين يتناول الأول تحديات التعلم المصاحبة لاستخدام شات جي بي تي، ويتناول الثاني الفوائد التي يدركها الطلبة من استخدامه في تعلمهم الجامعي، فقد ركز السؤال الأول على ما يواجهه الطلبة من صعوبات عند استخدام الأداة في مهامهم التعلمية اليومية وكيف تؤثر هذه الصعوبات في تعلمهم، بينما ركز السؤال الثاني على ما يجنونه منها من فوائد في الفهم والدراسة وإنجاز المتطلبات الأكاديمية داخل الفصل وخارجه
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أبلغ الطلبة متنوعو الخلفيات عن تحديات تعلمية بارزة تمثلت في تراجع التفكير النقدي لديهم ومحدودية قدرات الأداة في البحث وصعوبات في استخدامها بفاعلية لتحقيق أهدافهم التعلمية
2، أظهر الطلبة اعتمادًا متزايدًا على إجابات الذكاء الاصطناعي، وأقرّوا بمشكلات تتعلق بعدم دقة المخرجات والمعلومات المضللة، فضلًا عن قضايا الالتزام بالنزاهة الأكاديمية عند توظيف الأداة في واجباتهم وأبحاثهم
3، عدّ الطلبة شات جي بي تي أداة عملية ويسهل الوصول إليها، ومفيدة في إدارة الوقت وفي اكتساب فهم أعمق للموضوعات وفي الدراسة والمذاكرة
4، أفاد الطلبة باستخدام شات جي بي تي في تطوير لغتهم وإتقانها، وفي العصف الذهني وفهم متطلبات الواجبات والإرشاد خطوة بخطوة في إنجازها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير دلالات الدراسة إلى أن شات جي بي تي يقدم قيمة أكاديمية حقيقية للتجربة التعلمية للطلبة متنوعي الخلفيات يمكنهم تحصيلها خارج حدود الفصل الدراسي والجامعة، وفي المقابل تستدعي تحدياته أن يفكر المعلمون في استراتيجيات تساعد هؤلاء الطلبة على إدارة توقعاتهم من استخدام الأداة في فصولهم، وتمتد الدلالات النظرية الأوسع، عبر عدستي نظرية التقاطعية ونظرية التعلم الاتصالية، إلى قضايا عدالة التعلم والسياسة المؤسسية والاستجابة الثقافية لأدوات الذكاء الاصطناعي، وهي قضايا بالغة الأهمية للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا المهتمين بشمول التعلم في البيئات الأكاديمية، كما تدعو النتائج مؤسسات التعليم العالي إلى بناء أطر إرشادية واضحة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في المقررات الدراسية، وإلى تدريب الطلبة على التحقق من مخرجات هذه الأدوات وتوظيفها بوصفها مساعدًا على التعلم لا بديلًا عنه، مع مراعاة اختلاف حاجات الطلبة وتنوع خلفياتهم عند تصميم هذا التدريب وتقديم الدعم الأكاديمي المصاحب له
وخلاصة القول إن تجارب الطلبة متنوعي الخلفيات مع شات جي بي تي تجمع بين فوائد عملية ملموسة في الفهم والدراسة وتطوير اللغة، وتحديات حقيقية تمس التفكير النقدي والدقة والنزاهة الأكاديمية، وهو ما يستلزم توجيهًا تربويًا واعيًا يوازن بين توظيف الأداة والحفاظ على عمق التعلم








