تمهيد
يظل دور الموسيقى في التربية البدنية غير مستكشف بما يكفي رغم حضورها الواسع في ثقافة النشاط البدني والرياضة خارج المدرسة، فالموسيقى قادرة على تعديل الإثارة والانفعالات وربما الترابط الاجتماعي بين المتعلمين أثناء الأداء الحركي، لكن انتقال هذه الآثار إلى حصص التربية البدنية المنظمة سؤال تجريبي يحتاج إلى ضبط دقيق، كما يثار سؤال آخر عن مصدر الموسيقى ذاته، فهل تختلف الخبرة حين يختار الطلاب موسيقاهم بأنفسهم عما حين يوفرها المعلم لهم، وتعالج هذه الدراسة هذين السؤالين في سياق التدريب الدائري المدرسي، وهو موضوع يتصل باهتمامات الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في المناهج وطرق تدريس التربية البدنية وعلم النفس الرياضي، إذ يبحث الممارسون دائمًا عن أدوات تعليمية ميسورة ترفع دافعية التلاميذ وتجعل خبرة الحصة أكثر إيجابية دون كلفة تنظيمية عالية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بحث آثار الموسيقى المختارة ذاتيًا مقابل الموسيقى الموفرة خارجيًا في الوجدان والانفعالات والترابط الاجتماعي والدافعية الداخلية أثناء حصص التربية البدنية، واعتمدت تصميمًا تبادليًا عنقوديًا أثناء التدريب الدائري، بعامل قياسات متكررة يقارن بين حصص بالموسيقى وحصص دون موسيقى، وعامل بين المجموعات يقارن بين الموسيقى المختارة ذاتيًا والموفرة من الخارج، وقيسَت المتغيرات الوجدانية والاجتماعية قبل الحصة وبعدها، بينما قيسَت الدافعية الداخلية بعد الحصة، وبلغت العينة 161 طالبًا وطالبة متوسط أعمارهم 10.85 عامًا بانحراف معياري مقداره 0.84، وحُللت البيانات بنماذج إحصائية تراعي البنية العنقودية للفصول والقياسات المتكررة، ففصلت بين التفاعلات بين الشرط والزمن والآثار الرئيسة للشرط ذاته
ثانيًا: أبرز النتائج
1، لم توجد تفاعلات دالة بين الشرط والزمن في التكافؤ الوجداني ولا الاستثارة ولا الانفعالات الإيجابية أو السلبية ولا الترابط الاجتماعي، إذ لم تقل قيم الدلالة جميعها عن 0.230، بما يعني أن التغيرات من قبل الحصة إلى بعدها لم تختلف بين حصص الموسيقى وحصص عدم الموسيقى
2، أظهرت الآثار الرئيسة للشرط استثارة إجمالية أعلى في حصص الموسيقى بقيمة ف مقدارها 15.43 ودلالة تقل عن 0.001 وحجم أثر مقداره 0.036، وانفعالات إيجابية أعلى بقيمة ف مقدارها 14.60 ودلالة تقل عن 0.001 وحجم أثر مقداره 0.034
3، اقترنت الموسيقى أيضًا بترابط اجتماعي أكبر بقيمة ف مقدارها 5.19 ودلالة مقدارها 0.023 وحجم أثر مقداره 0.013، وبانفعالات سلبية أدنى بقيمة ف مقدارها 4.05 ودلالة مقدارها 0.045 وحجم أثر مقداره 0.010
4، ارتبطت الموسيقى بدافعية داخلية أكبر تجلت في اهتمام واستمتاع أعلى بقيمة ف مقدارها 7.59 ودلالة مقدارها 0.007 وحجم أثر مقداره 0.053، وفي كفاءة مدركة أعلى بقيمة ف مقدارها 12.19 ودلالة تقل عن 0.001 وحجم أثر مقداره 0.083
5، لم يعدل اختيار الموسيقى، سواء كان ذاتيًا من الطلاب أم موفرًا من المعلم، النتائج الوجدانية والاجتماعية والدافعية تعديلًا دالًا، إذ لم تقل قيم الدلالة في اختبارات الاعتدال جميعها عن 0.236
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز النتائج الموسيقى أداة تعليمية ممكنة التطبيق في التربية البدنية لتعزيز استثارة الطلاب ودافعيتهم الداخلية وتقديم خبرات حصص أكثر إيجابية، وذلك بمعزل عما إذا كانت الموسيقى مختارة من الطلاب أنفسهم أم موفرة من المعلم، وهي خلاصة عملية مريحة للمعلمين لأنها تخفف عبء التخصيص الفردي وتجعل الإفادة متاحة بتنظيم بسيط، ويستطيع معلمو التربية البدنية في المدارس العربية توظيف الموسيقى المصاحبة للتدريب الدائري وأنشطة الإحماء توظيفًا مقصودًا يراعي ملاءمتها العمرية والثقافية وإيقاعها الحركي، بينما يتحفظ الباحث على تعميم الفروق قبلية بعدية بوصفها أثرًا سببيًا صافيًا في ضوء غياب التفاعلات الدالة، فيدعو إلى مزيد من الدراسات المضبوطة في سياقات متنوعة
ويرتبط اختيار الموسيقى وخصائصها الصوتية بذوق الجيل وثقافته الموسيقية المتحولة باستمرار، ما يجعل تحديث قوائم التشغيل المدرسية ومراجعتها دوريًا بالتشاور مع الطلاب أنفسهم جزءًا من التخطيط التعليمي الواعي، كما أن انخفاض كلفة هذا التوظيف وسهولة تنفيذه يجعلان الموسيقى مرشحة مثالية للتجريب الصفي السريع الذي يقيس فيه المعلم أثرها بنفسه عبر ملاحظة انخراط طلابه وانفعالاتهم من حصة إلى أخرى، فيبني ممارسته على دليل محلي حي بدلًا من الاكتفاء بالتوصيات العامة المستوردة من سياقات أخرى
وخلاصة القول، تمنح الموسيقى حصة التربية البدنية نكهة وجدانية ودافعية أفضل واستثارة أعلى وترابطًا اجتماعيًا أكبر، ولا يتوقف هذا الأثر على من يختار الموسيقى، فتغدو أداة تعليمية ميسورة في يد المعلم متى أحسن توظيفها وضبط سياقها








