تمهيد
تحتل القيم موقع القلب في البناء الشخصي والمجتمعي، فهي التي توجه سلوك الإنسان وتمنح اتجاهاته قوتها وثباتها، إذ إن العلاقة بين الاتجاه والقيمة عامل أساسي في تحديد مدى قوة ذلك الاتجاه، فالاتجاه المستند إلى قيمة راسخة يكون أشد رسوخًا وأصعب تغييرًا من اتجاه عابر لا سند له، وتبدأ عملية اكتساب القيم في الأسرة حيث يتلقى الطفل أولى خبراته الأخلاقية والاجتماعية، ثم تتواصل بصورة منهجية منظمة في المدارس عبر المناهج والمعلمين والأنشطة، ومع هذا الدور الكبير لتعليم القيم أظهرت الأدبيات فجوة معرفية تتعلق بعمليات غرس القيم ذاتها وبمدى فاعلية الممارسات المدرسية في تغيير اتجاهات الطلاب، وهي فجوة تتطلب تحليلات بعدية شاملة ومحدثة تجمع نتائج الدراسات المتناثرة في تقدير كمي واحد
وتزداد أهمية هذا التحليل البعدي لأنه لا يعتمد على دراسات منشورة في مجلات فحسب، بل يلتفت إلى رسائل الدراسات العليا التي تشكل مخزونًا بحثيًا ضخمًا كثيرًا ما يبقى حبيس الأرشيفات الجامعية، ففي تركيا وحدها فحص الباحثان آلاف الرسائل بحثًا عن دراسات تعليم القيم، وهو جهد يذكر الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا بقيمة مماثلة كامنة في الرسائل الجامعية العربية التي نادرًا ما تستثمر في تحليلات بعدية عربية رغم غناها بالتدخلات التربوية الميدانية في مجالات القيم والأخلاق والمواطنة والانتماء
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أثر ممارسات تعليم القيم في اتجاهات الطلاب نحو القيم بمنهج التحليل البعدي الذي يجمع أحجام الأثر من دراسات أولية متعددة في تقدير إجمالي واحد، ففحص الباحثان 6556 رسالة دراسات عليا أجريت في تركيا، وأدرجا في التحليل 62 رسالة استوفت معايير الإدراج المعتمدة، ومثلت الدراسات المدرجة ما مجموعه 1788 طالبًا يمتدون عبر المراحل التعليمية من ما قبل المدرسة إلى الجامعة، ثم حسب حجم الأثر الكلي وفواصل ثقته، وقورنت أحجام الأثر بين المراحل التعليمية المختلفة للوقوف على تفاوت فاعلية تعليم القيم باختلاف عمر المتعلمين ومرحلتهم الدراسية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت ممارسات تعليم القيم المنفذة أثرًا إيجابيًا كبيرًا في اتجاهات الطلاب نحو القيم، إذ بلغ حجم الأثر 1.546 عند فاصل ثقة 95 بالمئة امتد بين 1.304 و1.788، وهو حجم أثر يفوق بمراحل عتبات الأثر الكبير المتعارف عليها في البحوث التربوية
2، تفاوتت آثار تعليم القيم باختلاف المراحل التعليمية، بما يعني أن فاعلية الممارسات ليست واحدة عبر الأعمار والمراحل
3، جاء أكبر حجم أثر في المرحلة الابتدائية، تلتها مرحلة ما قبل المدرسة، ثم المرحلة المتوسطة، ثم المرحلة الثانوية، بما يشير إلى أن التدخل القيمي المبكر في سنوات التنشئة الأولى أعلى عائدًا
4، قدمت النتائج في مجملها دليلًا كميًا داعمًا لفاعلية ممارسات تعليم القيم في بناء اتجاهات إيجابية لدى الطلاب نحو ما يتعلمونه من قيم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تترتب على هذه النتائج دلالات مباشرة لتطوير المناهج والسياسات التعليمية، فحجم الأثر الكبير يبرر الاستثمار المؤسسي في برامج تعليم القيم وعدم تركها أنشطة هامشية، وتصدر المراحل المبكرة لأحجام الأثر يوجه الأنظار إلى رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية بوصفهما نافذة ذهبية لغرس القيم حين تكون الاتجاهات في طور التشكل، كما تدعو النتائج مصممي المناهج إلى مراعاة الخصائص النمائية لكل مرحلة عند اختيار أساليب تعليم القيم وأنشطتها، أما بحثيًا فتؤكد الدراسة جدوى التحليلات البعدية المعتمدة على رسائل الدراسات العليا مصدرًا للأدلة، وتدعو إلى مزيد من الدراسات التي تفسر العلاقة بين الاتجاهات والقيم عبر الثقافات المختلفة، وهو باب واسع أمام الباحثين في البيئات العربية
وخلاصة القول إن تعليم القيم ليس ترفًا تربويًا بل ممارسة ذات أثر كبير مثبت كميًا في اتجاهات الطلاب، وإن البدء المبكر به في سنوات الطفولة الأولى يضاعف عائده، وإن تراكم رسائل الدراسات العليا حوله يشكل قاعدة أدلة تستحق أن تتحول إلى قرارات منهجية وسياسات تعليمية واعية بمراحل النمو وخصوصياتها








