تمهيد
أصبح وقت الشاشة جزءًا لا ينفصل عن الحياة اليومية للمراهقين في العصر الرقمي، إذ تتوزع ساعات يومهم بين الهواتف والأجهزة اللوحية والحواسيب والتلفاز، وتتزايد مع ذلك المخاوف الصحية من آثار الجلوس الطويل أمام الشاشات في النشاط البدني والوزن والصحة النفسية والسلوك، وعلى الرغم من توافر بيانات كثيرة عن سلوك المراهقين أمام الشاشات فإن المعرفة بالفروق بين البيئتين الحضرية والريفية ما تزال محدودة، إذ تختلف البيئتان في أنماط المعيشة وفرص اللعب في الهواء الطلق وطبيعة الأنشطة اليومية، ومن هنا تأتي هذه الدراسة لتقارن بين مراهقي المدن ومراهقي الريف في مدد التعرض اليومي للشاشات وفي المؤشرات الجسمية وتكرار النشاط البدني الخارجي والمؤشرات النفسية المرتبطة بها، وهو موضوع يهم الباحثين في صحة المراهقين وطب المجتمع وعلم النفس وطلاب الدراسات العليا المهتمين بالصحة الرقمية وأنماط الحياة الصحية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى مقارنة التعرض اليومي لوقت الشاشة بين المراهقين الملتحقين بالمدارس في المناطق الحضرية والريفية، وفحص ارتباطاته بالقياسات الجسمية وبوتيرة النشاط البدني في الهواء الطلق وبالمعايير النفسية، وقد صُممت بوصفها دراسة مقطعية اعتمدت إطار معاينة مكونًا من خمس مقاطعات في إحدى المناطق الإدارية بولاية في غرب الهند، واختيرت أول مدرستين حضريتين وأول مدرستين ريفيتين من قائمة مدارس أعيد ترتيبها عشوائيًا، وشملت العينة 627 طالبًا من الصفوف الخامس والسابع والتاسع ممثلين للفئة العمرية من عشر سنوات إلى تسع عشرة سنة، وسُجل النشاط البدني الخارجي المبلغ عنه ذاتيًا ووقت الشاشة اليومي المستغرق في كل نشاط، وقُيمت الجوانب النفسية باستخدام استبيان مواطن القوة والصعوبات، وبحثت الدراسة الارتباطات بين منطقة السكن ووتيرة النشاط الخارجي ودرجات الاستبيان ووقت الشاشة باستخدام اختبارات إحصائية مناسبة، ثم استخدمت تحليل الانحدار متعدد المتغيرات لتحديد متنبئات وقت الشاشة المفرط الذي يتجاوز ساعتين يوميًا مع حساب نسب الأرجحية المعدلة ومجالات الثقة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، توزعت العينة بين 334 طالبًا من المناطق الحضرية بنسبة 53.3 في المئة و293 طالبًا من المناطق الريفية بنسبة 46.7 في المئة، وبلغ متوسط أعمارهم 12.5 سنة، وبلغ متوسط إجمالي وقت الشاشة اليومي 111.9 دقيقة بانحراف معياري قدره 71.7 دقيقة
2، سجل طلاب المناطق الحضرية وقت شاشة أطول من نظرائهم الريفيين إذ بلغ متوسطهم 121.5 دقيقة مقابل 100.9 دقيقة لدى الريفيين، كما سجل الذكور وقتًا أطول من الإناث إذ بلغ متوسطهم 122.9 دقيقة مقابل 100.9 دقيقة لدى الإناث، وجاءت الفروق ذات دلالة إحصائية واضحة
3، ارتبطت الإقامة في الريف ارتباطًا قويًا بممارسة النشاط البدني في الهواء الطلق بمعدل يتجاوز يومين أسبوعيًا، إذ بلغت النسبة لدى الريفيين 78.8 في المئة مقابل 35.9 في المئة لدى الحضريين، وبنسبة أرجحية قدرها 6.64 ومجال ثقة بين 4.64 و9.51
4، أظهر الطلاب الذين تجاوز وقت شاشتهم اليومي ساعتين احتياجات أعلى على مقياس فرط الحركة في استبيان مواطن القوة والصعوبات، إذ بلغت نسبة من لديهم احتياجات بدرجة ما أو احتياجات عالية 11.4 في المئة مقابل 5.7 في المئة لدى من لم يتجاوز وقتهم ساعتين
5، امتلك الذكور احتمالات أعلى بدلالة إحصائية لتجاوز إجمالي وقت الشاشة اليومي ساعتين مقارنة بالإناث، إذ بلغت نسبة الأرجحية المعدلة 1.51 بمجال ثقة بين 1.05 و2.17
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفتح هذه النتائج نافذة مهمة لصانعي السياسات الصحية والتربوية في المجتمعات العربية التي تشهد تمدنًا متسارعًا وانتشارًا واسعًا للأجهزة الذكية بين أبنائها، إذ تبين أن أبناء المدن أكثر تعرضًا للشاشات وأقل ممارسة للنشاط الخارجي من أبناء الريف، وهو ما يستدعي تدخلات موجهة تراعي الفروق بين البيئتين كتهيئة مساحات آمنة للعب والرياضة في الأحياء الحضرية وإشراك الأسر والمدارس في تنظيم أوقات الشاشة، كما يستفيد الباحثون العرب وطلاب الدراسات العليا من منهجية الدراسة في مقارنة المجموعات السكانية المتباينة بيئيًا، وفي توظيف أدوات مقننة لتقييم الصحة النفسية للمراهقين، وفي الربط بين السلوكيات الرقمية والمؤشرات الجسمية والنفسية عند تصميم برامج تعزيز الصحة المدرسية والوقاية من الخمول وما يرتبط به من مخاطر مستقبلية
وخلاصة القول إن الارتباطات بين طول التعرض لوقت الشاشة وبين عوامل جسدية ونفسية أسوأ تستدعي تدخلات مدروسة تنتبه بصورة خاصة إلى الفروق بين الحضر والريف، إذ يجمع مراهقو المدن بين شاشات أطول ونشاط خارجي أقل، بينما يحتفظ مراهقو الريف بأنماط أكثر حركة، وهو ما يجعل البيئة السكنية عاملًا لا يمكن إغفاله عند التخطيط لصحة المراهقين في الحاضر والمستقبل








