تمهيد
يمثل التحديد الدقيق لأنواع الأسماك تحديًا متناميًا أمام الباحثين في البيولوجيا البحرية، وتزداد أهميته مع اتساع انتشار الأنواع الغازية في البحر الأبيض المتوسط وتهديدها التوازن البيئي للمنظومات الساحلية والثروة السمكية المحلية، وتقترح هذه الدراسة نظامًا مبتكرًا أطلق عليه اسم أكوا فيجن يستخدم تقنيات التعلم الآلي وتصنيف الصور للتعرف الفوري والدقيق على أكثر الأنواع السمكية الغازية شيوعًا في المياه الساحلية المالطية، وهي أنواع وافدة استقرت في المنطقة عبر قنوات الملاحة وتيارات البحر خلال العقود الأخيرة، ويسعى النظام إلى خدمة البحث العلمي البحري ومبادرات علم المواطن التي يشارك فيها الهواة والغواصون، وجهود الإدارة البيئية التي تتطلب رصدًا سريعًا وموثوقًا لتوزع الأنواع الغازية وانتشارها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تطوير خوارزمية قادرة على التعرف الديناميكي على الأنواع السمكية الغازية المستهدفة استنادًا إلى الصور المتاحة، وبناء حل تقني يمكن الباحثين والمهتمين من التعرف الدقيق على النوع في موقعه مباشرة ودون حاجة إلى خبرة تصنيفية متقدمة، واستهدفت الدراسة خمسة أنواع غازية هي الأكثر شيوعًا في المياه الساحلية لمالطا، وهي فيستولاريا كومرسوني ولوبوتيس سورينامينسيس وبوماداسيس إنسيسوس وسيغانوس لوريدوس وستيفانوليبس دياسبروس، واعتمدت المنهجية جمع الصور وتنظيمها وتدريب نماذج التعلم الآلي والتعلم المنقول على مجموعات بيانات متسقة بما يضمن قابلية النتائج للمقارنة العادلة بين النماذج المرشحة، وجرى اختبار عدد من النماذج وتقييم دقتها وموثوقيتها في مهمة التصنيف قبل الاستقرار على النموذج الأفضل أداء
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أسس النظام المقترح تصنيفه على خمسة أنواع سمكية غازية مستهدفة في المياه الساحلية المالطية، بما يوجه الرصد نحو الأنواع الأعلى خطرًا وحضورًا في بيئة البحر المتوسط
2، تبين أن نموذج ريزنت 18 هو النموذج الأكثر دقة وموثوقية بين النماذج المختبرة في التعرف على الأنواع المستهدفة من الصور، فاستقرت الدراسة على اعتماده أساسًا للحل المقترح
3، جاء نموذج يولو في نسخته الثامنة قريبًا من النموذج الأول بأداء جيد بوجه عام، غير أنه أظهر ثباتًا أقل في نتائجه عبر الاختبارات المتكررة، وهو ما رجح كفة النموذج الأول عند المفاضلة العملية
4، أكدت النتائج أن الخوارزمية المطورة قادرة على تقديم عون كبير لبحوث البيولوجيا البحرية ومبادرات علم المواطن وجهود الإدارة البيئية عبر تحديد دقيق وسريع لأنواع الأسماك الغازية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علوم البحار والذكاء الاصطناعي التطبيقي، فسواحل البحر المتوسط والبحر الأحمر في المنطقة العربية تواجه بدورها تحديات الأنواع الغازية العابرة للقنوات والملاحة البحرية، ويمكن البناء على منهجية الدراسة لبناء أنظمة رصد عربية تصنف الأنواع الوافدة في المياه الإقليمية اعتمادًا على صور يجمعها الباحثون والصيادون والغواصون، بما يدعم حماية الثروة السمكية والتنوع البيولوجي الذي تعتمد عليه المجتمعات الساحلية في أمنها الغذائي ومصادر دخلها المستدامة
وتواجه بيئة البحر الأبيض المتوسط ضغوطًا بيئية متراكمة من الاحترار وتغير مسارات التيارات وحركة السفن العابرة لقناة السويس التي تنقل أنواعًا من البحر الأحمر إلى المتوسط في هجرة مستمرة منذ عقود، وقد غيرت هذه الأنواع الوافدة شبكات الغذاء البحرية وأثرت في مصائد الأسماك المحلية وسبل عيش الصيادين، ويتطلب رصدها المبكر أدوات سريعة منخفضة الكلفة يستطيع استخدامها غير المتخصصين، وهنا تتجلى قيمة أنظمة التعرف بالصور التي تحول الهاتف المحمول إلى أداة رصد بيئي ميداني، وتغذي قواعد بيانات الانتشار بمعلومات آنية تساعد صانعي السياسات البيئية على تقدير المخاطر واتخاذ تدابير المواجهة في توقيت مبكر ومؤثر، كما تسهم هذه الأنظمة في توثيق التنوع البيولوجي البحري وبناء أرشيفات مصورة تخدم البحوث التصنيفية المقارنة عبر الأجيال البحثية المتعاقبة
وخلاصة القول إن نظام أكوا فيجن يثبت أن الجمع بين التعلم الآلي والتعلم المنقول يقدم أداة عملية مجدية لتحديد الأنواع البحرية الغازية بسرعة ودقة، ويمهد الطريق أمام تطبيقات رصد بيئي أذكى تشارك فيها المؤسسات البحثية والجمهور العام على حد سواء








