تمهيد
تشكل معتقدات الكفاءة الذاتية لدى الطلاب الطريقة التي يفكرون بها في العلوم وينخرطون بها في تعلمها، وقد ربطت مجموعة واسعة من البحوث الكفاءة الذاتية في العلوم بنواتج مهمة كالمثابرة والاهتمام والتحصيل، مما أثار اهتمامًا متزايدًا بكيفية تشكل هذه المعتقدات واستدامتها عبر مصادرها الأربعة التي حددها باندورا وهي خبرات الإتقان والخبرات البديلة والإقناع الاجتماعي والحالات الفسيولوجية والوجدانية، غير أن الدراسات التي تناولت كيفية تطور الكفاءة الذاتية في العلوم مستعينة ببيانات نوعية إلى جانب المناهج الكمية لم تتجاوز ست دراسات مختلطة الأساليب، ومن هنا تأتي أهمية تجميع ما تضيفه هذه الإسهامات النوعية إلى فهمنا وبيان ما تدل عليه بشأن الحاجة إلى مزيد من البحث النوعي في هذا الحقل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه المراجعة المنهجية إلى فحص ما تضيفه الإسهامات النوعية في الدراسات المختلطة الأساليب إلى فهم الكفاءة الذاتية في العلوم لدى طلاب المرحلتين الابتدائية والثانوية، وما تشير إليه بشأن قيمة إجراء مزيد من البحوث النوعية في هذا المجال، واعتمدت المراجعة تحليلًا منهجيًا للأدبيات المتاحة التي وظفت بيانات نوعية في دراسة مصادر الكفاءة الذاتية الأربعة عند باندورا، مع مقارنة النتائج بما توصلت إليه أدبيات الرياضيات الأوسع انتشارًا في هذا الموضوع، واهتم التحليل بكيفية تشكل معتقدات الطلاب حول قدراتهم العلمية عبر التفاعلات الصفية وممارسات المعلمين وأنظمة التقييم وثقافات المدارس، وبما يكشفه المنهج النوعي من عمليات دقيقة لا تظهرها القياسات الكمية وحدها
ثانيًا: أبرز النتائج
1، برزت خبرات الإتقان بوصفها المصدر الأكثر تأثيرًا في تشكيل الكفاءة الذاتية في العلوم عبر الدراسات المشمولة، إذ تتصدر خبرات النجاح الفعلي في المهام العلمية بقية المصادر من حيث قوة أثرها في معتقدات الطلاب
2، تبين أن أثر خبرات الإتقان ليس ثابتًا ولا تلقائيًا، بل يتوقف على الكيفية التي يؤطر بها الأداء والفهم والتقدم ويفسر بها داخل البيئة الصفية، فالتجربة الواحدة قد تعزز الكفاءة أو تضعفها بحسب طريقة تقديمها وقراءتها
3، تتشكل معتقدات الطلاب حول قدراتهم العلمية عبر قنوات متعددة متداخلة تشمل التفاعلات الصفية اليومية وممارسات المعلمين وأنظمة التقييم وثقافات المدارس السائدة
4، أظهرت المقارنة مع أدبيات الرياضيات اختلافًا في موضع الاهتمام، إذ تركز أدبيات الرياضيات بدرجة أكبر على المعتقدات المتعلقة بالقدرة والأداء، بينما تهتم دراسات العلوم بدرجة أكبر بالخبرات الصفية والبنى التعليمية وعمليات صنع الطلاب للمعنى
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص المراجعة إلى أن الحاجة قائمة إلى مزيد من البحث النوعي الذي يلتقط مصادر باندورا الأربعة بوصفها عمليات متوسطة بالسياق تتشكل بممارسات المعلمين وثقافات المدارس، لا بوصفها آليات نفسية ثابتة تعمل بمعزل عن بيئتها، ففهم كيفية تفسير الطلاب لخبراتهم الناجحة والفاشلة وكيفية تفاعلهم مع نماذج الأقران والمعلمين ورسائل الإقناع المحيطة بهم يفتح بابًا لتصميم تدخلات تربوية أدق أثرًا، ولهذه الدلالات أهمية خاصة لدى الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا، إذ ما تزال الدراسات النوعية العربية حول الكفاءة الذاتية في العلوم محدودة، ويمكن للأدوات النوعية كالمقابلات المتعمقة والملاحظة الصفية أن تكشف عن خصوصيات السياقات المدرسية العربية في تشكيل ثقة الطلاب بقدراتهم العلمية منذ المرحلتين الابتدائية والثانوية
ومن الناحية التطبيقية توجه هذه النتائج أنظار معلمي العلوم ومطوري برامج إعدادهم إلى قوة التأطير الصفي لخبرات النجاح والتعثر، فالتغذية الراجعة التي تربط التقدم بالجهد والاستراتيجية وتجعل مسار التحسن مرئيًا للطالب أقدر على بناء كفاءة ذاتية راسخة من التقييمات الختامية المجردة، كما تبرز أهمية الوعي بثقافة المدرسة ومناخها العام بوصفهما سياقًا يحتضن مصادر الكفاءة جميعًا ويوجه تفسير الطلاب لها، وتبقى الحاجة ماسة إلى دراسات نوعية عربية تتتبع أصوات الطلاب أنفسهم في مدارس المنطقة وتوثق كيفية تشكل ثقتهم العلمية عبر مراحل التعليم العام المختلفة
وخلاصة القول إن الكفاءة الذاتية في العلوم تتشكل عبر مصادر متفاعلة تتصدرها خبرات الإتقان المؤطرة بعناية داخل الصف، وإن توسيع البحث النوعي في هذا المجال شرط لفهم أعمق يرشد المعلمين وصناع القرار إلى ممارسات تعزز ثقة الطلاب بأنفسهم متعلمين للعلوم وممارسين لها








