تمهيد
يعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي تشكيل تعليم التصميم القائم على الاستوديو بوتيرة متسارعة، إذ دخلت أدواته إلى قلب العملية التصميمية التي يقوم عليها هذا النمط من التعليم الجامعي، غير أن المعرفة ما تزال محدودة حول الكيفية التي يقرر بها الطلاب متى يستخدمون هذه الأدوات وكيف يوظفونها في دعم مسار تصميمهم، فالاستخدام هنا ليس قرارًا تقنيًا بسيطًا بل يتشابك مع الحكم التصميمي للطالب ومعايير الاستوديو وانتظارات المدرسين والأقران، ومن هنا تنبع أهمية فهم أنماط الاستخدام الانتقائي والتكيف مع السياق والعوامل المرتبطة باتخاذ القرار المتعلق بالذكاء الاصطناعي لدى طلاب التصميم في مراحل تعليمهم المختلفة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص استخدام طلاب التصميم للذكاء الاصطناعي التوليدي وتكييفهم له وتصوراتهم عنه، مع عناية خاصة بالاستخدام المرتبط بمهام محددة والتكيف مع سياقات المشروع والعوامل المرتبطة باتخاذ القرارات المتصلة بهذه الأدوات، واعتمدت الدراسة مسحًا إلكترونيًا شمل 112 طالبًا من طلاب مرحلتي البكالوريوس والدراسات العليا في التصميم، وجمعت أداته بين بنود استبانة منظمة واستجابات مفتوحة اختيارية، ليتسنى تتبع استخدام الذكاء الاصطناعي عبر مهام الاستوديو المختلفة ومراحل المشروع وسياقات التعلم المتنوعة، وجرى تحليل الاستجابات الكمية والنوعية معًا لاستخلاص صورة متكاملة عن ممارسات الطلاب واعتباراتهم
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أبلغ الطلاب عن استخدام أعلى للذكاء الاصطناعي التوليدي في مهام تطوير المفاهيم والبحث والصياغة الكتابية، مقارنة باستخدامه في التحسين البصري والتوثيق التقني والمراحل المتأخرة من تطوير التصميم
2، ازدادت انتقائية الطلاب في استخدامهم للذكاء الاصطناعي كلما تقدمت مشاريعهم، إذ صاروا أكثر تدقيقًا وتحفظًا في المراحل المتقدمة من العملية التصميمية مقارنة بمراحلها الأولى
3، ارتبطت قرارات الطلاب بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي بعوامل اجتماعية وتربوية في مقدمتها انتظارات المدرسين وتأثير الأقران والقلق من التعرض لحكم سلبي من المحيط الأكاديمي
4، أبرزت الاستجابات النوعية أن قضايا التأليف والملكية الفكرية والتعلم والمسؤولية المهنية تمثل اعتبارات مهمة تحضر في ذهن الطلاب عند اتخاذهم قراراتهم بشأن توظيف هذه الأدوات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج مجملًا إلى أن الاستخدام الانتقائي المتوقف على السياق الذي يمارسه الطلاب يمكن تفسيره بوصفه رسمًا للحدود حول متى يشارك الذكاء الاصطناعي في العملية التصميمية وكيف يشارك فيها، فالطلاب لا يتعاملون مع الأداة بوصفها بديلًا شاملًا بل بوصفها شريكًا مشروطًا يخضع لحكمهم المهني المتنامي، ومن ثم لا يكفي النظر إلى استخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه مجرد تبنٍ تقني، بل تبرز قيمة مقاربة تربوية متمحورة حول الحكم وقائمة على العملية وتؤكد المساءلة واتخاذ القرار التأملي، وهي دلالات ذات صدى واسع لدى الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في كليات العمارة والتصميم والفنون، إذ تتسارع في جامعات المنطقة مبادرات دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في الاستوديوهات التعليمية، مما يجعل بناء سياسات صفية واضحة وتنمية الحكم التصميمي النقدي لدى الطلاب أولوية تربوية ملحة
وتفتح هذه النتائج بابًا واسعًا أمام مدرسي الاستوديو وصناع المناهج لإعادة التفكير في سياسات استخدام الذكاء الاصطناعي داخل مقررات التصميم، إذ يبدو أن الطلاب أنفسهم يمارسون ضبطًا ذاتيًا متناميًا يمكن البناء عليه بدل الاكتفاء بمنظومات المنع والمراقبة، كما تدعو النتائج إلى تصميم مهام تقييمية ترصد مراحل العملية التصميمية وتطور الحكم لدى الطالب عبرها لا الناتج النهائي وحده، وإلى حوارات صفية صريحة حول حدود التأليف المشترك مع الآلة ومسؤوليات المصمم المهنية تجاه أصالة عمله، وهي قضايا تتقاطع مع اهتمامات بحثية عربية متنامية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي وحوكمة استخدامه في التخصصات الإبداعية بصورة خاصة
وخلاصة القول إن طلاب التصميم لا يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي بصورة عشوائية أو منفتحة على جميع المراحل والمهام، بل يمارسون انتقائية متنامية تحكمها طبيعة المهمة وسياق الاستوديو واعتبارات التأليف والمسؤولية المهنية، مما يجعل تنمية الحكم التصميمي الواعي محورًا لأي توظيف تربوي رشيد لهذه التقنيات في تعليم التصميم المعاصر








