تمهيد
يجد الباحثون الأكاديميون أنفسهم في بيئة متزايدة التنافسية تحكمها بنى سلطة هرمية صارمة، وهو ما ولد اهتمامًا متناميًا باستكشاف صور جديدة للقيادة في الجامعات تتجاوز النموذج الفردي الهرمي التقليدي، وفي هذا السياق تبرز القيادة المشتركة للمشروعات البحثية بوصفها صيغة قيادية تتبع مبادئ نسوية تهدف إلى خلق بيئة عمل داعمة يمكن أن يزدهر فيها البحث المبتكر عند تقاطع النمو الفردي والنمو الجماعي، وتناقش هذه الدراسة كيفية وضع مبادئ القيادة النسوية موضع الممارسة عبر تقاسم الدور القيادي في المشروعات البحثية، مستندة إلى خبرة معايشة في بناء نموذج للقيادة البحثية الحوارية المشتركة وممارسته على مدى سنوات داخل مشروع بحثي كامل، وتكتسب هذه المناقشة أهميتها من ندرة الدراسات التي توثق ممارسة القيادة المشتركة من الداخل وتحلل شروط نجاحها وحدودها الواقعية بدل الاكتفاء بالدعوة النظرية إليها أو عرضها بوصفها مثالًا مجردًا يستعصي على التطبيق
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى وصف نموذج للقيادة البحثية الحوارية المشتركة وتأمل خبرته العملية بعمق، ووضع هذه الخبرة في حوار مع مفاهيم من أدبيات القيادة المعاصرة، واعتمدت الدراسة على تجربة الباحثتين في القيادة المشتركة لمشروع نساء في العمارة الدنماركية بين عامي 1925 و1975، وهو مشروع بحثي يرصد حضور النساء في العمارة الدنماركية وإسهاماتهن عبر نصف قرن، وقد قادته الباحثتان بصورة مشتركة خلال الأعوام من 2020 إلى 2024، ووصفت الدراسة كيفية بناء النموذج وتطبيقه في قرارات المشروع وعلاقات فريقه، وحللت هذه الخبرة في ضوء مفاهيم القيادة التشاركية والأخلاق النسوية، لتحديد الإمكانات التحويلية للقيادة المشتركة وحدودها داخل البنى الجامعية الهرمية القائمة، واعتمدت الدراسة في ذلك على التأمل المنهجي في الخبرة المعاشة ومقارنتها بمفاهيم القيادة الشائعة في الأدبيات المعاصرة، بحيث تتحول تجربة المشروع إلى حالة غنية لاختبار إمكانات القيادة النسوية عمليًا ورصد ما تتيحه من إعادة توزيع للاعتراف والسلطة والرعاية داخل فريق العمل، وما تفرضه في المقابل من أعباء تنسيق ووقت إضافي لإدارة الحوار المشترك
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت التجربة أن تقاسم قيادة المشروعات البحثية يمتلك إمكانات تحويلية حقيقية، إذ يخلق بيئة عمل داعمة يمكن أن يحدث فيها البحث المبتكر عند تقاطع النمو الفردي والجماعي لأعضاء الفريق على حد سواء
2، تقدم القيادة المشتركة بدائل عملية عن التصورات والبنى الفردانية السائدة في العمل الأكاديمي، عبر توزيع السلطة والمسؤولية وإدامة الحوار بين القائدتين وفريق المشروع بدل تركيز القرار في يد واحدة
3، بينت الخبرة أن القيادة المشتركة القائمة على الأخلاق والمبادئ النسوية قادرة على تقديم بحث ممتاز الجودة حتى داخل هرمية النظام الجامعي، وعلى إحداث أثر يتجاوز أسوار الجامعة إلى العالم المحيط بها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل الدراسة دلالات مهمة لإدارات الجامعات ووكالات تمويل البحث، إذ تدعو إلى الاعتراف بصيغ القيادة المشتركة وتشجيعها مؤسسيًا بدل التعامل معها بوصفها استثناء عابرًا، كما تفيد الباحثين في مراحلهم المبكرة والمتوسطة في التفكير في نماذج قيادية بديلة تخفف أعباء التنافس الفردي وتعزز الاستدامة المهنية والرفاه داخل فرق البحث، وتفتح أمام الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا مجالًا لدراسة القيادة الأكاديمية المشتركة في الجامعات العربية ومدى ملاءمتها لثقافاتها التنظيمية، وخاصة في المشروعات البحثية الكبرى متعددة التخصصات التي يصعب أن يقودها فرد واحد بكفاءة وعدالة، وتقدم الدراسة كذلك إطارًا مفاهيميًا يمكن أن تستند إليه فرق البحث عند التفاوض حول صيغ قيادتها منذ مرحلة كتابة مقترحات التمويل، بحيث توثق الأدوار المشتركة وآليات اتخاذ القرار ومعالجة الاختلافات قبل انطلاق العمل، وهو ما يقلل كلفة التجريب العشوائي ويجعل القيادة المشتركة خيارًا مؤسسيًا مخططًا له بدل أن تكون ارتجالًا ظرفيًا يرتهن بعلاقات شخصية عابرة
وخلاصة القول إن القيادة المشتركة المستندة إلى مبادئ نسوية ليست مجرد ترتيب إداري بديل، بل خيار قيمي قادر على تحويل بيئة البحث إلى فضاء داعم ومنتج، وعلى إثبات أن التميز البحثي والعمل الجماعي الحواري يمكن أن يسيرا معًا حتى داخل أكثر البنى الجامعية هرمية وتنافسية








