تمهيد
يمثل الانتقال من المدرسة إلى عالم العمل تحديًا نمائيًا محوريًا في حياة المراهقين، إذ تتقرر خلاله مسارات التعليم والتدريب والمهنة الأولى، وتعد الموارد المهنية، بما تشمله من عوامل شخصية واجتماعية ومرتبطة بالهوية تدعم التوجه المهني والاستعداد له، عنصرًا حاسمًا في اجتياز هذا الانتقال بنجاح، ومن منظور المرونة النفسية يثار تساؤل جوهري حول الشروط التي تنمو في ظلها هذه الموارد أو تتراجع، ولا سيما لدى الطلاب الذين يواجهون صعوبات نفسية واجتماعية قد تلقي بظلالها على مستقبلهم المهني، ومن هنا تأتي هذه الدراسة التي تبحث في العلاقة بين الصعوبات النفسية الاجتماعية وتدخل قائم على ثقافة الأقران الإيجابية وموجه للتوجه المهني من جهة، وتطور الموارد المهنية لدى الطلاب من جهة أخرى
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أثر تدخل تمكين الأقران من أجل المهن، وهو تدخل يستند إلى ثقافة الأقران الإيجابية ويركز على التوجه المهني، في تنمية الموارد المهنية لدى الطلاب، والتعرف إلى دور الصعوبات النفسية الاجتماعية بوصفها عامل خطر أو عامل حماية في هذا التطور، واعتمدت الدراسة تصميمًا شبه تجريبي قبليًا بعديًا بمجموعة تدخل ومجموعة ضابطة، وشارك فيها مئتان وأربعة وثلاثون طالبًا من طلاب المرحلة الثانوية الدنيا في مدارس التعليم العام ومدارس التربية الخاصة ممن شاركوا في نقطتي القياس كلتيهما، وقيست الموارد المهنية باستبيان الموارد المهنية، وقيست الصعوبات النفسية الاجتماعية باستبيان مواطن القوة والصعوبات، وأجريت تحليلات انحدار خطية مع ضبط القيم الأساسية والمتغيرات الاجتماعية الديموغرافية ذات الصلة، إلى جانب تحليلات استكشافية للمقاييس الفرعية وتقييم عمليتي لاجتماعات مجموعات ثقافة الأقران الإيجابية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، لم تظهر النتائج أثرًا كليًا دالًا لتدخل ثقافة الأقران الإيجابية في الموارد المهنية لدى الطلاب مقارنة بالمجموعة الضابطة، رغم ما أبداه الطلاب من تجارب إيجابية داخل المجموعات
2، تبين أن الصعوبات النفسية الاجتماعية في القياس الأساسي كانت منبئًا سلبيًا دالًا بالموارد المهنية في الصف التاسع، فكلما اشتدت الصعوبات لدى الطالب تراجعت موارده المهنية في القياس اللاحق
3، ظهر على مستوى المقاييس الفرعية ارتباط يتصل ببعد أهمية العمل في الحياة، وهو بعد يعكس جانبًا دافعيًا وقيميًا من التطور المهني، غير أن هذا الارتباط لم يبق دالًا إحصائيًا بعد التصحيح لاختبارات متعددة، ولذا يعد ارتباطًا استكشافيًا يحتاج إلى تحقق في دراسات لاحقة
4، أظهر تقييم العملية أن تجارب المجموعات كانت إيجابية في عمومها، ولا سيما في حل المشكلات تعاونيًا والدعم المتبادل بين الأقران، مع تحديات تتعلق بمشاركة بعض الطلاب وتنفيذ الجلسات ضمن الجدول المدرسي المزدحم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد الدراسة أن الصعوبات النفسية الاجتماعية ليست شأنًا صحيًا منفصلًا عن التطور المهني، بل عامل مؤثر مباشرة في قدرة الطلاب على بناء مواردهم المهنية والاستعداد للانتقال إلى العمل، وهو ما يدعو المدارس إلى دمج الدعم النفسي الاجتماعي في برامج التوجيه المهني وعدم فصله عنها، كما تشير النتائج إلى أن دور الدعم الاجتماعي القائم على الأقران في الإعداد المهني ما زال بحاجة إلى مزيد من البحث قبل اعتماد تدخلاته على نطاق واسع، وتفيد هذه الرؤى الباحثين العرب والمرشدين المهنيين في تصميم برامج توجيه تراعي الفئات الأضعف نفسيًا واجتماعيًا، وتقيس الموارد المهنية قياسًا شاملًا يرصد العوامل الشخصية والاجتماعية والهوية معًا، كما تبرز الدراسة أهمية تقييم العملية المرافق لقياس النواتج في دراسات التدخل المدرسي، إذ قد تخفي النتائج الكلية الإيجابية أو المحايدة خبرات تعلم واجتماعية ذات قيمة يعيشها الطلاب داخل المجموعات، مثل تنمية مهارات حل المشكلات والتعاون والدعم المتبادل، وهي خبرات قد تثمر آثارًا لاحقة لا تلتقطها القياسات القصيرة المدى وحدها
وخلاصة القول إن بناء الموارد المهنية لدى طلاب المدارس يتأثر في المقام الأول بما يحمله الطلاب من صعوبات نفسية اجتماعية أكثر مما يتأثر بتدخلات قصيرة قائمة على الأقران، ومن ثم فإن الاستثمار في الصحة النفسية المدرسية وخدمات الدعم المبكر يمثل مدخلًا أساسيًا لتمكين انتقال ناجح من المدرسة إلى العمل








