تمهيد
يمثل الاحتراق النفسي تحديًا نفسيًا ومهنيًا بالغ الخطورة في البيئات العسكرية، إذ يرتبط بطبيعة العمل العسكري وما ينطوي عليه من ضغوط مزمنة ومتطلبات يقظة مستمرة وأعباء تنظيمية مرتفعة، وقد ينعكس الاحتراق سلبًا على رفاه الأفراد وعلى أدائهم الوظيفي وجاهزيتهم العملياتية، وقد أظهر العلاج المعرفي القائم على اليقظة الذهنية آثارًا مفيدة في التعامل مع التوتر والاحتراق لدى فئات متنوعة من السكان، غير أن القليل معروف عن الكيفية التي ينظر بها العسكريون في الخدمة الفعلية إلى الصيغ الموجزة من هذا العلاج المقدمة عبر الإنترنت قبل تطبيقها فعليًا في وحداتهم، ومن هنا تنبع أهمية هذه الدراسة التي تستكشف القبول المتوقع لبرنامج مقترح من هذا النوع وتحدد اعتبارات التنفيذ المحتملة من وجهة نظر المستفيدين أنفسهم قبل الشروع في التطبيق، إذ تعد دراسات القبول المسبق خطوة منهجية مهمة في بحوث تنفيذ التدخلات النفسية الرقمية الحديثة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف القبول المتوقع لبرنامج موجز مقترح للعلاج المعرفي القائم على اليقظة الذهنية يقدم عبر الإنترنت في صفوف الجيش البرتغالي، والتعرف إلى اعتبارات التنفيذ التي يراها العسكريون مؤثرة في نجاحه مستقبلًا، واعتمدت الدراسة المنهج النوعي، إذ أجريت مقابلات شبه مقننة مع خمسة عشر مشاركًا من أفراد الجيش، أحد عشر رجلًا وأربع نساء، وحللت البيانات باستخدام التحليل الموضوعي التأملي ضمن إطار بنائي يراعي أن تصورات المشاركين تتشكل عبر خبراتهم وسياقاتهم الثقافية والمهنية، وهو ما أتاح التعمق في خبراتهم السابقة مع الخدمات النفسية وتوقعاتهم من البرنامج المقترح والعوائق التي يتوقعونها بدل الاكتفاء بقياس اتجاهات عامة سطحية لا تفسر دوافع القبول والرفض
ثانيًا: أبرز النتائج
1، حدد التحليل خمسة موضوعات رئيسة هي الخبرات السابقة مع الخدمات النفسية، والقبول المتوقع للبرنامج المقترح، والعوائق العملية والثقافية، وشروط التنفيذ، والتفضيلات المتعلقة بصيغة البرنامج وطريقة تيسيره
2، نظر المشاركون في عمومهم إلى البرنامج المقترح نظرة إيجابية، وأبدوا استعدادًا مبدئيًا للانخراط في برنامج موجز يقدم عبر الإنترنت ويراعي خصوصية بيئتهم المهنية ومتطلبات عملهم
3، رأى المشاركون أن قصر مدة البرنامج وسريته ومرونة مواعيده وسهولة الوصول الرقمي إليه ودعم القيادة ومصداقية الميسرين عوامل مهمة قد تشجع على تنفيذه مستقبلًا وترفع معدلات الإقبال عليه والاستمرار فيه
4، برزت الوصمة المرتبطة بطلب المساعدة النفسية وعبء العمل بوصفهما عائقين رئيسين قد يحدان من مشاركة العسكريين في البرنامج ومن استمرارهم فيه رغم قناعتهم بفائدته
5، أكدت النتائج أن ما توصلت إليه الدراسة يعكس تصورات متوقعة قبل التنفيذ، ولا يقدم دليلًا على جدوى البرنامج الفعلية أو فاعليته العلاجية، وهو ما يستدعي دراسات تطبيقية لاحقة تختبر البرنامج على أرض الواقع
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة خارطة عملية للمؤسسات العسكرية والصحية الراغبة في إدخال تدخلات اليقظة الذهنية الرقمية، إذ تبين أن نجاح التنفيذ لا يتوقف على جودة المحتوى العلاجي وحده، بل على معالجة الوصمة وتخفيف أعباء العمل وضمان السرية وحشد دعم القيادات واختيار ميسرين ذوي مصداقية، وتفيد هذه النتائج الباحثين والممارسين في السياق العربي ممن يخططون لبرامج دعم نفسي رقمية للفئات ذات البيئات المهنية المنضبطة، إذ تؤكد أهمية دراسات القبول المسبق قبل استثمار الموارد في التطبيق، وضرورة إشراك المستفيدين المحتملين في تصميم الصيغة واختيار الميسرين وجدولة الجلسات بما يناسب واقع عملهم وطبيعة مهامهم اليومية، كما تبرز الدراسة قيمة المقاربة النوعية في فهم السياقات الثقافية والتنظيمية التي تحيط بالتدخلات النفسية داخل المؤسسات المنضبطة، وتدعو إلى بناء برامج توعية موازية تخفف الوصمة المرتبطة بطلب الدعم النفسي بين العسكريين وتشجع الإفصاح المبكر عن أعراض الاحتراق قبل تفاقمها وتحولها إلى مشكلات مهنية وصحية أوسع
وخلاصة القول إن العسكريين ينظرون بإيجابية إلى برنامج موجز للعلاج المعرفي القائم على اليقظة الذهنية يقدم عبر الإنترنت، شريطة توافر شروط تنفيذ تراعي السرية والمرونة ودعم القيادة وتتصدى للوصمة وعبء العمل، وهو ما يجعل التخطيط المسبق المستند إلى صوت المستفيدين خطوة لا غنى عنها قبل إطلاق مثل هذه البرامج في المؤسسات العسكرية








