تمهيد
يحتل التحفيز اللفظي مكانة مألوفة في بيئات التدريب الرياضي واختبارات الأداء البدني، إذ يستخدم المدربون والمختبرون عبارات التشجيع أو التحذير لدفع الرياضيين نحو بذل أقصى جهد ممكن، غير أن الأثر الدقيق لهذه العبارات لا يتوقف على مجرد وجودها أثناء الأداء، بل يمتد إلى محتواها وشحنتها الوجدانية إيجابية كانت أم سلبية، وقد ظل الجدل قائمًا بين الباحثين والممارسين حول ما إذا كانت العبارات السلبية الحازمة قد تتفوق في استثارة القوة القصوى على العبارات الإيجابية المشجعة، وحول الثمن الإدراكي الذي قد يدفعه الرياضي مقابل ذلك التفوق في صورة إحساس أعلى بصعوبة الجهد المبذول وإجهاد مدرك أشد
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى مقارنة آثار العبارات اللفظية التحفيزية الإيجابية والسلبية المستخدمة أثناء تمرين القرفصاء الأقصى قصير المدى متساوي القصور الذاتي في إنتاج القوة واستدامة مخرجاتها وصعوبة التمرين المدركة، وشارك فيها أربعون طالبًا جامعيًا سليمًا من كلية علوم الرياضة نصفهم من النساء ونصفهم من الرجال تطوعوا للمشاركة، وبنيت الدراسة على تصميم تجريبي عشوائي متقاطع أدى فيه كل مشارك اختبار قرفصاء أقصى لمدة ثلاثين ثانية في ثلاثة شروط تجريبية هي الصمت بوصفه شرطًا ضابطًا والعبارات التحفيزية الإيجابية والعبارات التحفيزية السلبية، وذلك عبر ثلاث جلسات منفصلة، وقدمت المنبهات اللفظية عند بداية الاختبار ثم كل خمس ثوان بشدة صوت موحدة تراوحت بين 60 و70 ديسيبل، وسجلت القوة القصوى ومتوسط القوة والجهد المدرك وفق مقياس بورغ، وحللت البيانات باختباري فريدمان وويلكوكسون للرتب الموقعة مع تصحيح هولم بونفيروني نظرًا لانتهاك افتراضات التوزيع الطبيعي
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أسفر شرطا العبارات التحفيزية الإيجابية والسلبية معًا عن قوة قصوى ومتوسط قوة أعلى بدلالة إحصائية قوية مقارنة بشرط الصمت، وبمستوى دلالة أقل من 0.001، ما يؤكد أن التحفيز اللفظي بحد ذاته ينشط الأداء الأقصى
2، جاءت مخرجات القوة في شرط العبارات التحفيزية السلبية أعلى بدلالة إحصائية منها في الشرط الإيجابي، ما يشير إلى أن الشحنة الوجدانية السلبية قد تستثير استجابة قوة أكبر في الأداء الأقصى قصير المدى
3، ارتفعت صعوبة التمرين المدركة بصورة دالة أثناء التعرض للعبارات التحفيزية السلبية وبمستوى دلالة أقل من 0.01، أي إن مكسب القوة تحقق مقابل كلفة إدراكية محسوسة لدى المشاركين
4، لم تظهر أي فروق دالة مرتبطة بالجنس في الاستجابات للعبارات التحفيزية اللفظية، ما يوحي بأن أثر المحتوى التحفيزي يعمل بصورة مشابهة لدى النساء والرجال في هذا السياق التجريبي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبين هذه النتائج للمدربين والباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علوم الرياضة أن حضور التحفيز اللفظي وحده لا يكفي لصناعة الأداء، فمحتواه وشحنته الوجدانية يؤديان دورًا مهمًا في أداء القوة القصوى قصير المدى وفي الاستجابات الإدراكية المصاحبة له، وأن العبارات السلبية قد تعزز مخرجات القوة لكن على حساب ارتفاع الجهد المدرك، وهو ما يفرض استخدامًا مدروسًا ومخصصًا للسياق للاستراتيجيات اللفظية في بيئات اختبار الأداء والتدريب، مع مراعاة للآثار النفسية المحتملة على الرياضيين وبخاصة الناشئون منهم، كما تفتح الدراسة المجال لبحوث مستقبلية تفحص آثار هذه الاستراتيجيات على المدى الطويل وفي رياضات وفئات عمرية وسياقات تنافسية متنوعة
وتضيف هذه النتيجة التجريبية لبنة جديدة إلى أدبيات علم النفس الرياضي التي اهتمت تاريخيًا بعوامل نفسية متنوعة كالحديث الذاتي والتصور الذهني وتحديد الأهداف، لكنها قلما قارنت بصورة مضبوطة بين الشحنات الوجدانية المتعارضة للتحفيز اللفظي الصادر عن الآخرين في اختبارات القوة القصوى، كما تنبه الدراسة الممارسين إلى أن الاستجابات الإدراكية المصاحبة للأداء ليست تفصيلًا ثانويًا عابرًا، فالجهد المدرك يؤثر في التزام الرياضي واستمراريته وموقفه العام من التدريب ذاته، وهو ما يستدعي موازنة دقيقة وواعية بين مكاسب الأداء الآنية وكلفها النفسية المحتملة وبخاصة في برامج إعداد الرياضيين الشباب وتأهيل المصابين العائدين إلى المنافسة
وخلاصة القول إن الكلمة في ميدان التدريب أداة أداء لا تقل أهمية عن أدوات القياس ذاتها، وإن اختيار عبارات التحفيز بعناية ووفق الهدف والسياق والخصائص النفسية للرياضي يمثل مهارة مهنية ينبغي صقلها بالدليل العلمي المتراكم لا بالعادة وحدها








