تمهيد
تعد متلازمة شارل بونيه من الحالات المرتبطة بضعف البصر الشديد، إذ يعاني المصابون بها هلوسات بصرية متكررة مع بقاء بصيرتهم سليمة وإدراكهم أن ما يرونه غير حقيقي، وكثيرًا ما يتردد المرضى في الإفصاح عن هذه التجربة خشية أن تفسر بوصفها اضطرابًا نفسيًا، فتبقى المتلازمة أقل تشخيصًا وإبلاغًا مما هي عليه في الواقع، ولا سيما في بيئات التأهيل البصري التي يفترض أن تكون أول من يلتقطها، وتتطلب رعاية هؤلاء المرضى فهمًا دقيقًا لملفهم النفسي ووظائفهم البصرية حتى تميز المتلازمة عن الاضطرابات النفسية الأولية وتبنى مسارات دعم ملائمة، ومن هذا المنطلق أجريت هذه الدراسة الأولية في مركز وطني متخصص في روما بإيطاليا لاستكشاف انتشار المتلازمة وخصائص المصابين بها مقارنة بمرضى ضعاف بصر لا يعانون الهلوسات
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التحقق من انتشار متلازمة شارل بونيه لدى مراجعي المركز الوطني لخدمات وبحوث الوقاية من العمى وتأهيل ضعاف البصر في روما، ورسم الملف النفسي للمصابين لتحديد ما إذا وجدت فروق دالة مقارنة بمرضى ضعف البصر ممن لا يعانون ظواهر هلوسية، والتعرف إلى المتنبئات المحتملة، واعتمدت على تحليل مقطعي أولي لعينة متاحة جندت بين شهري يناير وديسمبر من عام 2025، وحسب الانتشار بناء على مقابلات سريرية منظمة، وقورن الملف النفسي بين مجموعة المتلازمة ومجموعة ضابطة مضاهاة في حدة البصر، وخضع المشاركون لتقييمات شاملة طبية عينية ونفسية شملت أفضل حدة بصر مصححة وحدة القراءة وحساسية التباين وثبات التثبيت وحساسية الشبكية، وقيمت الحالة النفسية بقائمة الأعراض التسعين المنقحة واستبانة صحة المريض ذات البنود التسعة واستبانة اضطراب القلق المعمم ذات البنود السبعة، وقابل الباحثون مرضى المتلازمة بشأن خصائص هلوساتهم وأنماطها، وحللت الارتباطات بتحليلات الانحدار
ثانيًا: أبرز النتائج
1، فحص الباحثون 385 فردًا وأدرجوا 120 مشاركًا شكلت النساء 58 بالمئة منهم وبلغ متوسط أعمارهم 55.4 عامًا، واكتشفت متلازمة شارل بونيه لدى 19 بالمئة من المشمولين بالدراسة
2، لم تلاحظ فروق دالة بين المشاركين المصابين بالمتلازمة وغير المصابين بها في المتغيرات الديموغرافية ولا في درجات الاستبانات النفسية عند مستويات دلالة تجاوزت 0.05
3، دلت متوسطات درجات المقاييس النفسية الثلاثة على ضيق نفسي واكتئاب وقلق بدرجات طفيفة، وانتشرت أعراض الاكتئاب لدى 65 بالمئة من المشاركين وأعراض القلق لدى 88 بالمئة منهم دون ارتباط دال بالمتلازمة في تحليلات مربع كاي والانحدار اللوجستي
4، أظهر تحليل الانحدار اللوجستي لدرجات قائمة الأعراض أن القلق وحده ارتبط داليًا بحدوث الهلوسات لدى ضعاف البصر بنسبة أرجحية قدرها 0.27 وفاصل ثقة يمتد من 0.08 إلى 0.87
5، كان ضعف حدة القراءة في العين الأسوأ من بين معالم الوظيفة البصرية هو المرتبط داليًا بالمتلازمة، بينما لم تختلف الوظيفة البصرية العامة بين المجموعتين اختلافًا دالًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد هذه النتائج أن متلازمة شارل بونيه حالة شائعة في بيئات التأهيل رغم قلة الإبلاغ عنها، وأن تدهور حدة القراءة في العين الأسوأ قد يكون عامل خطورة خاصًا يستحق الانتباه في الفحص السريري، وأن رسم الملف النفسي لهؤلاء المرضى ضروري لتمييز المتلازمة عن الاضطرابات النفسية وتطوير مسارات دعم مصممة لاحتياجاتهم، وبما أن أعراض القلق والاكتئاب منتشرة أصلًا بين ضعاف البصر بمعدلات مرتفعة تصبح إضافة الدعم النفسي إلى برامج التأهيل البصري ضرورة لا ترفًا، ويمكن للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في التمريض وعلم النفس والإبصار الإفادة من هذا التصميم في تقدير انتشار المتلازمة في مراكز التأهيل العربية التي تندر فيها البيانات، مع توسيع العينات واعتماد تصاميم طولية في دراسات لاحقة
وخلاصة القول إن متلازمة شارل بونيه تستحق فحصًا منهجيًا منتظمًا في خدمات تأهيل ضعاف البصر، وإن فهم تقاطعها مع القلق وضعف حدة القراءة يفتح طريقًا لإدارة سريرية أفضل ورفاه عاطفي أعلى للمرضى، وتبقى طبيعة الدراسة الأولية وحجم عينتها داعيين إلى بحوث تأكيدية أوسع قبل تثبيت استنتاجات نهائية








