تمهيد
تعمل ممرضات الصحة العامة في اليابان غالبًا في بيئات إدارية حكومية، ويتوقع منهن تحويل نتائج التقييم الصحي للمجتمع إلى برامج وسياسات قابلة للتنفيذ عبر عمليات صنع قرار تنظيمية وتفاوض وإعداد موازنات، غير أن تعليم تمريض الصحة العامة في المرحلة الجامعية لا يتيح للطلاب فرصًا كافية لمعايشة هذه العملية الإدارية بمراحلها الواقعية، فتظل خبرتهم ببناء البرامج والسياسات نظرية في الغالب، ومن هنا تنبع أهمية المحاكاة التعليمية التي تنقل الطالب إلى موقف شبيه بالممارسة الفعلية، إذ يتدرب على صياغة مقترحات مبررة والدفاع عنها أمام جهات مراجعة والدخول في حوار حول الجدوى والأولويات، وتقدم هذه الدراسة منهجًا تعليميًا مبتكرًا في هذا الاتجاه ضمن إطار التقييم الصحي المجتمعي الشامل المعروف اختصارًا بجي تشام، مستعينة بتقنية المراجعة التنفيذية المحاكاة لتقريب تجربة التخطيط الإداري إلى قاعة الدرس
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى وصف منهج لتطوير البرامج والسياسات ضمن إطار جي تشام يوظف المراجعة التنفيذية المحاكاة، وتقديم تقييم أولي للتغيرات في الكفاية المقدرة ذاتيًا لدى الطلاب، وطبق المنهج في مقرر لتمريض الصحة العامة لطلاب السنة الرابعة بعد أن أتموا أنشطة سابقة شملت تقييمًا مجتمعيًا ببرمجيات نظم المعلومات الجغرافية وعملًا ميدانيًا مدعومًا رقميًا لتفقد الأحياء وتحديد القضايا الصحية للمجتمع، وتضمن قسم تطوير البرامج والسياسات تعليمات تمهيدية وإعداد وثيقة تخطيط برنامج ووسيلة بصرية مقترحة من صفحة واحدة وجلسة مراجعة تنفيذية محاكاة مدتها تسعون دقيقة أعقبها إحاطة منظمة، وشارك أربعة موظفين إداريين من ذوي الخبرة في القطاع العام أعضاء في لجنة المراجعة التنفيذية، وقيسَت النواتج قبل القسم وبعده مباشرة بسبعة بنود للتقييم الذاتي مستندة إلى المنهج النموذجي الأساسي المنقح لعام 2024 لتعليم تمريض الصحة العامة في اليابان
ثانيًا: أبرز النتائج
1، شارك في الدراسة تسعة عشر طالبًا، وقدم ثمانية عشر منهم استجابات قابلة للربط بين القياسين القبلي والبعدي، بما أتاح مقارنة دقيقة لتغير الكفايات لدى الأفراد أنفسهم
2، ارتفع الوسيط الكلي لدرجات الكفاية المقدرة ذاتيًا من 9.50 قبل تنفيذ القسم إلى 26.50 بعده، وهو ارتفاع واسع يعكس شعور الطلاب بامتلاك قدرات جديدة في تخطيط البرامج والسياسات وتبريرها
3، ارتفعت درجات البنود السبعة جميعها ارتفاعًا دالًا إحصائيًا بعد تطبيق تصحيح هولم للمقارنات المتعددة، مما يشير إلى أن التحسن شمل أبعاد الكفاية المختلفة ولم يقتصر على بعد واحد
4، لم يصل أي طالب قبل القسم إلى المستوى الرابع أو أعلى في أي بند من البنود، بينما تراوحت نسب الواصلين إلى هذا المستوى بعد القسم بين 50 و83.3 بالمئة بحسب البند
5، نبه الباحثون إلى أن النتائج ينبغي أن تفسر بوصفها تعلمًا مدركًا قصير المدى من تقييم تعليمي لمجموعة واحدة، لا دليلًا على تحسن موضوعي في الكفاية ولا أثرًا سببيًا للمراجعة التنفيذية المحاكاة وحدها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز هذه الدراسة قيمة المحاكاة الواقعية في تعليم التمريض والصحة العامة، إذ تتيح للطلاب تجربة أدوار مهنية مستقبلية في بيئة آمنة تسمح بالخطأ والتعلم منه، وتكشف عن مواطن القوة والقصور في مقترحاتهم قبل مواجهة الميدان الحقيقي، ويمكن لكليات التمريض والصحة العامة في العالم العربي الإفادة من هذا النموذج بتصميم جلسات محاكاة يشارك فيها مسؤولون من وزارات الصحة والبلديات بوصفهم لجان مراجعة، بما يربط التعليم الجامعي بمتطلبات التخطيط الصحي المحلي ويثري كفايات الخريجين الإدارية، كما تدعو الدراسة الباحثين إلى تطوير دراسات لاحقة تتضمن مقاييس أداء موضوعية ومجموعات مقارنة ومتابعات طويلة المدى للتحقق من انتقال أثر هذا التعلم إلى الممارسة المهنية الفعلية بعد التخرج
وخلاصة القول إن منهج تطوير البرامج والسياسات القائم على المراجعة التنفيذية المحاكاة قدم تجربة تعليمية رفعت بصورة ملحوظة الكفايات المقدرة ذاتيًا لدى طلاب تمريض الصحة العامة في جميع بنود التقييم، ويمثل خطوة عملية نحو سد الفجوة بين التعليم النظري والممارسة الإدارية، مع بقاء الحاجة إلى أدلة أعمق بأدوات قياس موضوعية وتصاميم مقارنة قبل الجزم بحجم أثره الحقيقي








