تمهيد
حظي قلق الطلبة والعوامل المؤثرة فيه بدراسات واسعة على مدى عقود، غير أن قلق المعلمين لم ينل اهتماما مماثلا، ولا سيما في مرحلة التعليم الجامعي، كما أن أدوات قياس قلق المعلمين تبدو أكثر تباينا وأقل تقنينا من أدوات قياس قلق الطلبة، ويزداد هذا النقص وضوحا في السياقات غير الغربية التي قلما درست فيها هذه الظاهرة، ومن هنا هدفت هذه الدراسة إلى كشف مدى قلق معلمي الجامعات فعليا والعوامل الديموغرافية والموقفية المرتبطة بقلقهم، في سياق سعودي يعتمد اللغة الإنجليزية وسيطا للتعليم الجامعي في مرحلة ما بعد جائحة كورونا، وهو سياق تكتسب فيه دراسة قلق المعلمين أهمية مضاعفة لما خلفته الجائحة من تحولات في أنماط التدريس الجامعي وأعبائه ووسائطه التقنية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة استبيانا شاملا جمع بين بنود من عدد من استبيانات قلق المعلمين السابقة المتباينة، وطبقته على ثمانية وثمانين معلما جامعيا في إحدى الجامعات السعودية بعد جائحة كورونا، وقاس الاستبيان مستوى القلق العام من التدريس وعلاقته بمتغيرات ديموغرافية شملت العمر والمؤهل العلمي والخبرة والتدريب والجنس، إلى جانب سمة القلق العام المبلغ عنها، كما فحص مصادر القلق الموقفية المتنوعة بين ما يتصل بخصائص الطلبة وما يتصل بالإدارة الجامعية وما يقع في نطاق تحكم المعلمين أنفسهم داخل قاعة الدرس، بما يوفر خريطة متكاملة لطبيعة قلق المعلمين الجامعيين ومثيراته المهنية، ويمنح الجمع بين بنود مقتبسة من أدوات سابقة متعددة الاستبيان تغطية أوسع لأبعاد قلق التدريس مما تتيحه الأدوات الأحادية المستخدمة عادة في هذا المجال
ثانيًا: أبرز النتائج
1، بقي قلق المعلمين دون نقطة المنتصف على مقياس القياس بالقيم المطلقة، رغم الحكم بأن مستوى القلق ازداد بسبب جائحة كورونا، بما يعكس مرونة وجدانية لدى المعلمين بعد الجائحة
2، ارتبط العمر والمستوى العلمي للمؤهل سلبا بقلق التدريس العام، فكلما تقدم المعلم عمرا وارتفع مؤهله انخفض قلقه، بينما لم ترتبط الخبرة والتدريب والجنس وسمة القلق العام المبلغ عنها بهذا القلق
3، أثارت خصائص الطلبة، كانخفاض قدراتهم أو صعوباتهم المنزلية، قلقا أقوى نسبيا لدى المعلمين مقارنة بغيرها من المصادر، بما يعكس قلقا إيثاريا يتمحور حول مصلحة الطلبة وتحصيلهم
4، أثارت خصائص الإدارة الجامعية، كفرض أعباء عمل مرتفعة وأحجام فصول غير ملائمة، قلقا أقوى نسبيا كذلك لدى المعلمين في بيئة عملهم الجامعية
5، كانت الخصائص الواقعة في نطاق تحكم المعلمين أنفسهم، كالتحدث أمام الفصل أو الإجابة عن أسئلة الطلبة، أقل إثارة للقلق مقارنة بمصادر القلق الخارجية عن سيطرتهم، وهو ما يوجه الانتباه إلى مصادر القلق البنيوية والتنظيمية أكثر من مهارات المعلم الذاتية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتسق هذه النتائج مع أعمال منشورة أخرى تشير إلى أن مستوى قلق يقل قليلا عن نقطة منتصف المقياس هو القاعدة لدى المعلمين، وأن القلق الإيثاري بشأن الطلبة سبب رئيس لقلق المعلمين مهنيا، وتحمل النتائج دلالات عملية لإدارات الجامعات السعودية تتمثل في مراعاة أعباء العمل وأحجام الفصول عند التخطيط الأكاديمي ودعم المعلمين الأصغر سنا والأقل تأهيلا بصورة خاصة، كما تدعو الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا إلى تطوير أدوات مقننة لقياس قلق المعلمين في البيئات العربية ودراسة مصادره وآثاره في الأداء التدريسي والاحتراق المهني، واستكشاف الفروق بين التخصصات الجامعية وأنماط التعليم الحضوري والرقمي في مستويات هذا القلق ومصادره، بما يثري فهمًا عربيًا متراكمًا لهذه الظاهرة المهنية المؤثرة في جودة التعليم الجامعي ومخرجاته ورضا أعضاء هيئة التدريس عن عملهم
وخلاصة القول إن قلق معلمي الجامعات في السعودية قلق معتدل دون المنتصف تثيره بالدرجة الأولى خصائص الطلبة وقرارات الإدارة أكثر مما تثيره مواقف التدريس ذاتها، وإن معالجته تبدأ من بيئة العمل الجامعية ودعم المعلمين نفسيا ومهنيا في المؤسسات الجامعية على اختلاف تخصصاتها وأنماط تعليمها وبيئاتها الأكاديمية








