تمهيد
تعد اتجاهات المعلمين نحو تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات عاملا حاسما في نجاح دمج هذا التعليم في المناهج المعاصرة، إذ توجه هذه الاتجاهات ممارسات المعلم اليومية وتحدد مدى حماسه لتبني أساليبه الحديثة، وتتأثر الاتجاهات بدورها بجاهزية المعلم لهذا التعليم بأبعادها المتعددة، غير أن العلاقة بين الجاهزية والاتجاهات قد لا تسير في خط مستقيم، فقد تحدث تحولات مفاجئة في اتجاهات المعلمين عند عتبات معينة، ومن هنا هدفت هذه الدراسة إلى اختبار أبعاد الجاهزية منبئات بالاتجاهات عبر نماذج غير خطية مستندة إلى نظرية الكارثة التي تفسر التغيرات الحادة والمفاجئة في السلوك، إذ تقوم نظرية الكارثة على أن بعض الأنظمة النفسية والاجتماعية لا تتغير تدريجيًا بسلاسة، بل تقفز فجأة من حالة إلى أخرى حين تتجاوز متغيراتها المؤثرة حدودًا حرجة معينة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
فحصت الدراسة أربعة أبعاد لجاهزية المعلمين لتعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات هي الظروف الوجدانية والاستعداد المعرفي والكفاءة الذاتية والالتزام بهذا التعليم، ويقصد بالظروف الوجدانية مجمل المشاعر والانفعالات المرتبطة بممارسة هذا التعليم، وبالكفاءة الذاتية اعتقاد المعلم بقدرته على تنفيذه بنجاح، وبالالتزام استعداده لبذل الجهد المستمر في سبيله، وقيست هذه الأبعاد بمقياس جاهزية المعلمين المصمم خصيصا لهذا الغرض إلى جانب مقياس الاتجاهات نحو هذا التعليم، وطبقت الأدوات على عينة قوامها 494 معلما، وحللت البيانات ببناء ثلاثة نماذج قمية وفق نظرية الكارثة تفوقت على نظيراتها الخطية واللوجستية في تفسير الاتجاهات، إذ جمع كل نموذج بين عامل عدم تماثل يدفع الاتجاهات في اتجاه معين وعامل تشعب يفسر انقسامها المفاجئ بين موقفين متباينين لدى المعلمين، واستندت النماذج القمية إلى مقارنة إحصائية صارمة مع النماذج الخطية واللوجستية التقليدية لاختبار مدى تفوقها في تفسير بيانات الاتجاهات الواقعية لدى المعلمين
ثانيًا: أبرز النتائج
1، قام النموذج القمي الأول على الفرق بين الاستعداد المعرفي والظروف الوجدانية عاملا لعدم التماثل، وعلى مجموعهما عاملا للتشعب في التنبؤ باتجاهات المعلمين نحو هذا التعليم
2، قام النموذج القمي الثاني على الفرق بين الالتزام بتعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات والظروف الوجدانية عاملا لعدم التماثل، وعلى مجموعهما عاملا للتشعب في تفسير الاتجاهات
3، قام النموذج القمي الثالث على الفرق بين الكفاءة الذاتية والظروف الوجدانية عاملا لعدم التماثل، وعلى مجموعهما عاملا للتشعب في تفسير اتجاهات المعلمين
4، أظهرت النتائج أن الظروف الوجدانية حين تدخل في تفاعل دينامي مع المتغيرات المستقلة الأخرى يمكن أن تقود إلى تغيرات فجائية وحادة في اتجاهات المعلمين نحو هذا التعليم
5، قدمت الأدلة التجريبية دعما للآثار غير الخطية في اتجاهات المعلمين، بما يؤكد أن العلاقة بين الجاهزية والاتجاهات أعقد من أن تفسرها النماذج الخطية التقليدية وحدها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد هذه النتائج نظريا وعمليا في آن واحد، إذ تدعم عد تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات منظومة معقدة ودينامية تقدم فرضية أكثر واقعية لوصف سلوك المعلمين وتفسيره، وتنبه مصممي برامج التنمية المهنية إلى أن إهمال الظروف الوجدانية للمعلمين قد يفجر تحولات مفاجئة في اتجاهاتهم مهما بلغت جاهزيتهم المعرفية ومهاراتهم، وتدعو الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا إلى توظيف النماذج غير الخطية ونظرية الكارثة في دراسة الاتجاهات والسلوكيات التربوية، لما توفره من فهم أعمق للتحولات الحادة التي تعجز النماذج الخطية عن رصدها وتفسيرها، كما تفيد واضعي سياسات إعداد المعلمين في المنطقة العربية عند تصميم برامج دمج تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات في المناهج، إذ يصبح الاهتمام بالحالة الوجدانية للمعلمين ودافعيتهم شرطًا مصاحبًا لأي تطوير معرفي أو مهاري يستهدف تغيير اتجاهاتهم وممارساتهم الصفية
وخلاصة القول إن اتجاهات المعلمين نحو تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات ثمرة تفاعل دينامي بين أبعاد جاهزيتهم تتصدره الظروف الوجدانية، وإن فهم هذه الاتجاهات وتوجيهها يستدعي نماذج غير خطية ترصد التحولات المفاجئة وتفسرها








