تمهيد
تعد جلسات التعلم القائم على حل المشكلات استراتيجية فعالة لبناء المهارات الإكلينيكية والبحثية في التعليم الطبي المعاصر، وقد اتسع اعتماد المؤسسات الطبية عليها حول العالم، غير أن نتائج البحوث العالمية أظهرت فروقا ملحوظة في التصورات تجاه نمطي تقديم هذه الجلسات عبر الإنترنت ووجها لوجه بين الطلبة ومشرفيهم، وهو ما يثير تساؤلات حول جدوى كل نمط ومدى تحقيقه لمخرجات التعلم المستهدفة، ومن هنا هدفت هذه الدراسة إلى مقارنة تصورات طلبة الطب ومشرفيهم وتفضيلاتهم بين النمطين، ومقارنة أداء الطلبة الذين تعرضوا للجلسات بكلا النمطين في سياق عربي خليجي، إذ فرض التحول الرقمي المتسارع في التعليم الطبي إعادة نظر شاملة في أنماط تقديم الجلسات التفاعلية ومتطلبات جودتها ومهارات القائمين عليها من أعضاء هيئة التدريس
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
أجريت الدراسة بتصميم تحليلي مقطعي في كلية الطب والعلوم الطبية بجامعة الخليج العربي في مملكة البحرين خلال العام الدراسي الذي جمع بين نمطي تقديم الجلسات، وفحصت الفروق في التصورات والتفضيلات بين الطلبة والمشرفين حيال جلسات التعلم القائم على حل المشكلات عبر الإنترنت ووجها لوجه، كما قارنت أداء طلبة السنتين الثالثة والرابعة الذين خاضوا الجلسات بكلا النمطين، واستعرضت الدراسة مزايا كل نمط وتحدياته كما عددها الطلبة والمشرفون، بما يوفر صورة شاملة عن خبرة الطرفين الرئيسين في العملية التعليمية وعن العوامل المؤثرة في تفضيل كل منهما لنمط دون آخر، وتنتمي هذه الدراسة إلى البحوث الوصفية التحليلية التي تقارن بين مجموعات وخبرات قائمة فعلا في البيئة التعليمية دون تدخل تجريبي من الباحثين، ويعزز إجراء الدراسة في بيئة جامعية طبية قائمة صدق نتائجها البيئي وقربها من واقع الممارسة التعليمية الفعلية في كليات الطب الإقليمية، ويمنح المقارنة بين خبرتي الطلبة والمشرفين في المؤسسة ذاتها قدرة على عزل أثر نمط التقديم عن غيره من العوامل المؤسسية المؤثرة في جودة الجلسات
ثانيًا: أبرز النتائج
1، لم يظهر أداء الطلبة في الجلسات بكلا النمطين أي فرق دال إحصائيا، بما يشير إلى تكافؤ النمطين في تحقيق أهداف التعلم ومخرجاته لدى طلبة الطب
2، أبدى المشرفون تصورا أكثر إيجابية تجاه النمط الوجاهي مقارنة بالنمط عبر الإنترنت بدرجة أكبر مما أبداه الطلبة، ففضلوا التفاعل المباشر مع طلبتهم أثناء الجلسات
3، أبدى الطلبة تصورا أكثر إيجابية تجاه النمط عبر الإنترنت مقارنة بالنمط الوجاهي بدرجة أكبر مما أبداه المشرفون، فمالوا إلى مرونة التعلم الرقمي وملاءمته لظروفهم
4، عدد الطلبة والمشرفون جملة من مزايا كل نمط وتحدياته، بما يعكس تباين خبرات الطرفين وأولوياتهما في إدارة جلسات التعلم القائم على حل المشكلات ومتطلبات نجاحها
5، خلصت الدراسة إلى أن الطلبة فضلوا نمط الإنترنت بينما فضل المشرفون النمط الوجاهي، وأن أداء الطلبة المماثل في النمطين يرجح أن يكون نمط الإنترنت فعالا بقدر النمط الوجاهي في تحقيق الأهداف التعليمية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تعزى الفروق في التصورات بين الطلبة وأعضاء هيئة التدريس إلى عوامل متعددة تشمل الفجوة الجيلية والخبرات السابقة ومستوى الإلمام الرقمي، وهو ما يدعو كليات الطب إلى تأهيل أعضاء هيئتها التدريسية وتدريبهم تدريبا ملائما على تبني أنماط التعلم عبر الإنترنت بفاعلية، والاستفادة من مرونة النمط الرقمي دون التضحية بجودة التفاعل التعليمي، كما تفيد النتائج مصممي المناهج الطبية في المنطقة العربية ممن يوازنون بين النمطين في بناء برامجهم، وتدعو الباحثين إلى دراسات أعمق حول العوامل المؤثرة في تفضيلات كل طرف وسبل تقريب وجهات النظر بينهما، ولا سيما ما يتصل بتصميم الجلسات الهجينة التي تجمع بين مرونة الاتصال الرقمي وغنى التفاعل الحضوري المباشر وتراعي احتياجات الطلبة والمشرفين معًا في بيئات التعليم الطبي
وخلاصة القول إن نمط الإنترنت في جلسات التعلم القائم على حل المشكلات لا يقل فاعلية عن النمط الوجاهي في أداء الطلبة، وإن تباين التفضيلات بين الطلبة ومشرفيهم يستدعي تأهيلا تدريبيا للمشرفين وموازنة واعية بين النمطين في التعليم الطبي، وبما يضمن استدامة جودة التعلم التفاعلي في مختلف الظروف التعليمية








