تمهيد
يحتل البعد الروحي والديني موقعا متقدما في تفسير السلوك الإنساني ضمن منظور علم النفس الإيجابي، إذ ترتبط الدافعية الدينية الداخلية بما يمتلكه الفرد من موارد نفسية تعينه على الاجتهاد والمثابرة وتحقيق أهدافه، ويكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة في المجال الرياضي حيث تتوقف دافعية الرياضيين واستمرارهم في المنافسة على منظومة معقدة من العوامل النفسية، غير أن الأدبيات العلمية ما تزال تفتقر إلى نماذج شاملة تفسر الآليات النفسية التي تربط التدين بدافعية الرياضيين، وقد سعت هذه الدراسة إلى سد هذه الفجوة النظرية والتجريبية عبر نموذج وساطة متسلسلة يضم الرفاه النفسي والثقة بالنفس بوصفهما آليتين وسيطتين متتابعتين بين الدافعية الدينية الداخلية ودافعية الرياضيين، إذ يقصد بالدافعية الدينية الداخلية تبني الفرد لقيمه الدينية ومعتقداته بوصفها غاية في ذاتها وموجهًا أصيلًا لسلوكه، لا وسيلة لتحقيق منافع اجتماعية أو مكانة بين الآخرين، وهو ما يجعلها مصدرًا محتملًا للطاقة النفسية الموجهة نحو الإنجاز والمثابرة في مختلف مجالات الحياة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الدور الوسيط المتسلسل للرفاه النفسي والثقة بالنفس في العلاقة بين الدافعية الدينية الداخلية ودافعية الرياضيين، واعتمدت تصميما مسحيا ارتباطيا مقطعيا طبق على عينة قوامها 401 رياضي ورياضية، منهم 118 من الإناث و283 من الذكور، بمتوسط عمري بلغ 22.98 سنة، يمارسون منافسات نشطة في تخصصات رياضية متنوعة عبر مناطق مختلفة من تركيا، ولكل منهم خبرة رياضية مرخصة لا تقل عن خمس سنوات، وجمعت البيانات بأربعة مقاييس شملت مقياس الدافعية الدينية الداخلية ومقياس الرفاه النفسي ومقياس الثقة بالنفس ومقياس الدافعية الداخلية، وحللت البيانات بأسلوب الوساطة المتسلسلة وفق النموذج السادس من نماذج هايز لمعالجة الوساطة مع إعادة معاينة بلغت 5000 مرة لاختبار دلالة الآثار غير المباشرة، ويعزز حجم العينة وتنوع تخصصاتها الرياضية وخبرة أفرادها الممتدة من قوة النتائج وإمكان تعميمها على مجتمع الرياضيين الممارسين للمنافسات الرسمية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، ارتبطت الدافعية الدينية الداخلية إيجابيا بالرفاه النفسي لدى الرياضيين إذ بلغ معامل المسار 0.221 بدلالة إحصائية عالية، كما ارتبطت إيجابيا بالثقة بالنفس بمعامل مسار بلغ 0.229
2، ارتبط الرفاه النفسي إيجابيا بكل من الثقة بالنفس بمعامل مسار بلغ 0.252 والدافعية بمعامل مسار بلغ 0.307، وارتبطت الثقة بالنفس إيجابيا بالدافعية بمعامل مسار بلغ 0.141
3، كان الأثر الكلي للدافعية الدينية الداخلية في دافعية الرياضيين دالا إحصائيا وبلغ 0.171، غير أن أثرها المباشر فقد دلالته عند إدخال الوسيطين إذ بلغ 0.063، بما كشف عن نمط وساطة غير مباشرة كاملة
4، كانت الآثار غير المباشرة الثلاثة جميعها دالة، فقد بلغ الأثر عبر الرفاه النفسي وحده 0.060، وعبر الثقة بالنفس وحدها 0.029، وعبر المسار المتسلسل الذي يمر بالرفاه النفسي ثم الثقة بالنفس 0.007
5، تشير النتائج في مجملها إلى أن الدافعية الدينية الداخلية لا ترتبط بدافعية الرياضيين ارتباطا مباشرا، بل عبر مسارات غير مباشرة يتصدرها الرفاه النفسي والثقة بالنفس
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تمنح هذه النتائج المدربين والأخصائيين النفسيين الرياضيين رؤية أعمق لبناء برامج الإعداد النفسي للرياضيين، إذ يصبح تعزيز الرفاه النفسي وتنمية الثقة بالنفس مدخلين عمليين لرفع دافعية الرياضيين والاستفادة من مواردهم الروحية بصورة متوازنة، كما يقدم نموذج الوساطة المتسلسلة إطارا تحليليا يمكن للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا توظيفه في دراسة العلاقات بين التدين والمتغيرات النفسية في المجال الرياضي وغيره من المجالات، مع مراعاة الفروق الثقافية والدينية بين المجتمعات عند نقل النموذج وتطبيقه واختبار ثبات نتائجه عبر بيئات متنوعة، كما تبرز الدراسة أهمية الفهم الدقيق للوساطة المتسلسلة بوصفها أداة تحليلية تكشف ترتيب الآليات النفسية وتسلسلها بدل الاكتفاء بالعلاقات الثنائية المباشرة بين المتغيرات
وخلاصة القول إن أثر الدافعية الدينية الداخلية في دافعية الرياضيين يمر عبر قناتين نفسيتين متتابعتين هما الرفاه النفسي والثقة بالنفس، وإن الاهتمام بهاتين القناتين شرط لفهم أعمق للعلاقة بين الروحانية والأداء الرياضي وتوظيفها تطبيقيا








