تمهيد
تشهد صناعة الضيافة تحولات متسارعة بفعل التقنيات الذكية التي باتت تعيد تشكيل طرائق تشغيل الفنادق وإدارتها، وتتصدر إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي هذه التقنيات بوصفهما رافعتين للكفاءة التشغيلية ولتحسين تجربة النزيل في آن واحد، غير أن العلاقة بين تبني هذه التقنيات وبين الأداء المستدام للفنادق لا تزال محل تساؤل بحثي، إذ ركزت دراسات سابقة على دور التقنيات الذكية في الاستدامة دون أن تتناول بصورة كافية الأثر المشترك لإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي والقدرات التنظيمية في الأداء المستدام للفنادق، ولا سيما عبر الدورين الوسيطين لاتخاذ القرار القائم على البيانات وقدرة الابتكار، ومن هنا تنبع أهمية هذه الدراسة التي تقدم للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا نموذجًا تطبيقيًا من قطاع الضيافة السعودي يصلح أساسًا لدراسات مقارنة في بيئات عربية أخرى
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بحث كيفية إسهام تكامل التقنيات الذكية، وتحديدًا إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي، مع القدرات الإدارية الديناميكية المتمثلة في اتخاذ القرار القائم على البيانات وقدرة الابتكار، في تعزيز الأداء المستدام للفنادق ضمن قطاع الضيافة في المملكة العربية السعودية، وانطلقت الدراسة من منظور الموارد ونظرية القدرات الديناميكية لبناء نموذج مفاهيمي يختبر الدورين الوسيطين لاتخاذ القرار القائم على البيانات وقدرة الابتكار في العلاقة بين إنترنت الأشياء والأداء المستدام للفنادق، كما يختبر الدور المعدل لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في العلاقات بين إنترنت الأشياء وكل من اتخاذ القرار القائم على البيانات وقدرة الابتكار والأداء المستدام، وجمعت البيانات من 312 مديرًا في فنادق من فئتي أربع وخمس نجوم في أنحاء السعودية، وحللت باستخدام نمذجة المعادلات الهيكلية بطريقة المربعات الصغرى الجزئية لفحص العلاقات المفترضة بين متغيرات النموذج
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج أن لإنترنت الأشياء أثرًا إيجابيًا دالًا في الأداء المستدام للفنادق، بما يعني أن توظيف الأجهزة والأنظمة المتصلة في إدارة الطاقة والمياه والعمليات التشغيلية ينعكس مباشرة على مؤشرات الاستدامة البيئية والتشغيلية للفندق
2، تبين أن إنترنت الأشياء تؤثر إيجابيًا وبصورة دالة في كل من اتخاذ القرار القائم على البيانات وقدرة الابتكار لدى الفنادق، فالبيانات المتدفقة من الأنظمة المتصلة تغذي قرارات إدارية أدق وتفتح المجال أمام ممارسات ابتكارية جديدة
3، كشفت النتائج أن العلاقة بين إنترنت الأشياء والأداء المستدام للفنادق تتوسطها جزئيًا كل من آليتي اتخاذ القرار القائم على البيانات وقدرة الابتكار، وهو ما يعني أن التقنية وحدها لا تكفي وأن تحويل بياناتها إلى قرارات وابتكارات هو ما يحقق جزءًا مهمًا من أثرها في الاستدامة
4، وجدت الدراسة أن الذكاء الاصطناعي يعزز بصورة دالة العلاقات بين إنترنت الأشياء واتخاذ القرار القائم على البيانات، وبين إنترنت الأشياء وقدرة الابتكار، وبين إنترنت الأشياء والأداء المستدام للفنادق، بما يبرز الدور المحوري للذكاء الاصطناعي بوصفه ممكنًا للتحول الرقمي والاستدامة في القطاع الفندقي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توسع هذه النتائج منظور الموارد ونظرية القدرات الديناميكية بإظهارها أن الموارد التقنية حين تقترن بقدرات إدارية ديناميكية تقود إلى نتائج استدامة متفوقة، وهي دلالة نظرية مهمة لطلاب الدراسات العليا المهتمين بإدارة الضيافة والإدارة الاستراتيجية، إذ تقدم إطارًا يربط بين الاستثمار التقني وبناء القدرات الداخلية ربطًا سببيًا قابلًا للاختبار، وعلى الصعيد التطبيقي تؤكد الدراسة أن على الفنادق أن تقرن التبني الرقمي بتدريب العاملين وبثقافة ابتكار وبأدوات تحليل مدعومة بالذكاء الاصطناعي حتى تحسن أداءها المستدام، وهي رسالة ذات صلة مباشرة بمستهدفات الاستدامة في القطاع السياحي السعودي المتنامي، كما تفتح الدراسة الباب أمام بحوث عربية لاحقة تختبر النموذج ذاته في فنادق متوسطة وصغيرة أو في قطاعات خدمية أخرى كالمستشفيات والمطارات والمنتجعات
وخلاصة القول إن استدامة الفنادق في العصر الرقمي لا تصنعها التقنية منفردة، بل يصنعها التكامل الواعي بين إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي والقدرات الإدارية الديناميكية التي تحول البيانات إلى قرارات وابتكارات، ومن يقرأ هذه الدراسة من الباحثين العرب يجد فيها دعوة إلى تجاوز سؤال امتلاك التقنية إلى سؤال أعمق يتعلق بكيفية توظيفها وبناء القدرات المرافقة لها في مؤسسات الضيافة العربية








