تمهيد
تواجه عملية التكليس بالرش للنفايات السائلة عالية الإشعاع تحديات تشغيلية جدية، في مقدمتها التفاعلات غير المكتملة واحتمال تراكم المواد الصلبة داخل منظومة المعالجة، وهي مشكلات تؤثر في كفاءة تحويل النفايات الخطرة إلى منتجات صلبة مستقرة قابلة للتداول الآمن، ويقصد بالتكليس بالرش رش محلول النفايات في وسط ساخن يبخر المذيبات ويحول المكونات كيميائيًا إلى أكاسيد صلبة، وتتطلب هذه العملية ضبطًا دقيقًا لمعلمات تشغيل متعددة تتفاعل فيما بينها بصور غير خطية، ومن هنا تأتي أهمية المحاكاة العددية التي تتيح اختبار أثر كل معلمة افتراضيًا قبل التجريب المكلف والخطر، وتقدم هذه الدراسة نموذجًا حاسوبيًا ثلاثي الأبعاد لفحص معلمات العملية فحصًا منهجيًا، في موضوع يهم الباحثين وطلاب الدراسات العليا في الهندسة الكيميائية والنووية ومعالجة النفايات المشعة ونمذجة العمليات الصناعية المعقدة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى معالجة مشكلتي التفاعلات غير المكتملة وتراكم المواد الصلبة المحتمل في التكليس بالرش للنفايات السائلة عالية الإشعاع، فطورت مجالًا حاسوبيًا ثلاثي الأبعاد مستخدمة نموذج نقل الأنواع الكيميائية لمحاكاة احتراق محلول مكون من حمض النيتريك والسكروز والنترات، وفحصت بصورة منهجية آثار أربعة عوامل في الكسر الكتلي لمنتج أكسيد الصوديوم، وهي درجة حرارة تسخين الجدار ضمن مدى 200 إلى 1200 درجة مئوية، ومسامية الوسط المسامي ضمن مدى صفر إلى واحد، وسرعة الدخول ضمن مدى 0.001 إلى 0.2 متر في الثانية، وتركيزات المواد المتفاعلة بنسبها المختلفة، بما يتيح رسم خريطة كمية لاستجابة المنتج المستهدف لكل معلمة تشغيلية وتحديد القيم المثلى التي تعظم الاسترداد الصلب وتقلل مخاطر التراكم
ثانيًا: أبرز النتائج
1، ارتبطت درجة حرارة الجدار ارتباطًا موجبًا بتكوين أكسيد الصوديوم، إذ ارتفع الكسر الكتلي للمنتج من 0.089 إلى 0.360 مع زيادة الحرارة من 200 إلى 1200 درجة مئوية، وهو ما يجعل التسخين الكافي شرطًا أساسيًا لاكتمال التحول الكيميائي المطلوب
2، يسرت المسامية الأعلى تكوين المنتج، غير أن النمو شهد ركودًا ضمن المدى من 0.2 إلى 0.8، بما يعني أن مكاسب رفع المسامية تتضاءل بعد عتبة معينة ولا تعود متناسبة مع الزيادة
3، حكمت سرعة الدخول حركية التفاعل، فبلغت ذروتها عند قيمة مثلى قدرها 0.01 متر في الثانية محققة كسرًا كتليًا قدره 0.287، بينما تسببت السرعات التي تزيد على 0.05 متر في الثانية في تفاعلات غير مكتملة لقصر زمن بقاء المواد داخل منطقة التفاعل
4، أدت مضاعفة تركيز السكروز إلى تعزيز ناتج أكسيد الصوديوم بنسبة 115 في المائة و180 في المائة أكثر من الزيادات المكافئة في حمض النيتريك والنترات على الترتيب، بما يبرز السكروز بوصفه العامل المختزل الأكثر تأثيرًا في كيمياء العملية
5، خلصت محصلة النتائج إلى أن تعزيز استرداد المنتج الصلب يتطلب رفع درجة حرارة الجدار وتنظيم سرعة الدخول عند نحو 0.01 متر في الثانية وتحسين نسبة السكروز المختزل في خليط التغذية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه النتائج إرشادًا تشغيليًا مباشرًا لمصممي ومشغلي وحدات معالجة النفايات السائلة عالية الإشعاع، إذ تحول دون التفاعلات الناقصة وتراكم المواد الصلبة التي تهدد استمرارية التشغيل وسلامته، وتوضح أولويات الضبط بين المعلمات المتنافسة، فالحرارة المرتفعة مفيدة لكنها مقيدة باعتبارات الطاقة والمواد، والسرعة تحتاج إلى معايرة دقيقة لا إلى تعظيم، والسكروز رافعة كيميائية فعالة تستحق التحسين، وتفيد هذه الدراسة الباحثين العرب في مجالات الهندسة النووية والبيئية إذ تقدم منهجية نمذجة قابلة للنقل إلى عمليات حرارية وكيميائية أخرى، وتمنح طلاب الدراسات العليا مثالًا تطبيقيًا على دراسات البارامترات المنهجية وقراءة منحنيات الاستجابة وتحديد النوافذ التشغيلية المثلى في العمليات الصناعية الخطرة التي يتعذر تجريبها ميدانيًا بحرية
وخلاصة القول إن التحسين العددي لمعلمات التكليس بالرش للنفايات السائلة عالية الإشعاع يرسم نافذة تشغيل واضحة قوامها حرارة جدار مرتفعة وسرعة دخول منضبطة عند نحو 0.01 متر في الثانية ونسبة سكروز محسنة، بما يعظم تكوين أكسيد الصوديوم ويحد من التفاعلات غير المكتملة وتراكم المواد الصلبة في واحدة من أدق عمليات معالجة النفايات النووية








