تمهيد
تحظى المعرفة بالتبرع بالدم باعتراف متزايد بوصفها مفهومًا ذا صلة في بحوث التثقيف الصحي، نظرًا لدورها في دعم التبرع الطوعي وفي إرشاد الاستراتيجيات القائمة على الأدلة التي تعزز السلوكيات الوقائية والمشاركة المدنية، فالمعرفة الدقيقة بشروط التبرع وإجراءاته وفوائده تشكل الخطوة الأولى نحو بناء قاعدة متبرعين منتظمين يغذون بنوك الدم بالمستشفيات، ومن هنا تبرز الحاجة إلى أدوات قياس موثوقة تقيس هذه المعرفة قياسًا دقيقًا لدى فئات المجتمع المختلفة، وتأتي هذه الدراسة لتطوير النسخة الإسبانية من استبيان المعرفة بالتبرع بالدم والتحقق من خصائصه السيكومترية، مستندة إلى شراكات بين الجامعة والمدرسة تجعل الأداة قريبة من البيئات التعليمية التي تستهدفها برامج التوعية بالتبرع، وهو موضوع يهم الباحثين العرب في التثقيف الصحي وقياس المعرفة الصحية وبناء الاستبيانات وتكييفها ثقافيًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تطوير النسخة الإسبانية من استبيان المعرفة بالتبرع بالدم والتحقق من صدقه وثباته عبر شراكات بين الجامعة والمدرسة، ويتكون الاستبيان من 22 بندًا من بنود الاختيار من متعدد، لكل منها إجابة صحيحة واحدة، صُممت لتقييم المعرفة بجوانب التبرع بالدم المختلفة، وأُجري التقييم السيكومتري ضمن دراسة شبه تجريبية شملت 228 استجابة من أفراد تراوحت أعمارهم بين 17 و51 عامًا بمتوسط عمري قدره 24.12 عامًا وانحراف معياري قدره 7.75، وضم المشاركون طلابًا من المرحلة الثانوية والجامعات الملتحقين ببرامج صحية وتعليمية، وخضعت البيانات لتحليل عاملي لاستكشاف البنية العاملية للأداة وحساب مؤشرات ثباتها، إضافة إلى مقارنات بين المجموعات الاجتماعية والديموغرافية والأكاديمية لرصد الفروق في مستويات المعرفة قبل التدخل وبعده
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أيد التحليل العاملي بنية ثنائية العامل للنسخة الإسبانية من الاستبيان، مؤكدًا صدق بنائه وموثوقيته في قياس المعرفة بالتبرع بالدم باللغة الإسبانية، إذ بلغ معامل الثبات كودر ريتشاردسون 0.85 وهو مستوى مرتفع ومطمئن لأداة قياس معرفية
2، رصدت النتائج مستويات أعلى من المعرفة لدى النساء وطلاب التمريض والأفراد ذوي الخبرة السابقة في التبرع بالدم، وهو ما يعكس أثر الخبرة العملية والانتماء التخصصي في تراكم المعرفة الصحية
3، لوحظت درجات أدنى لدى القاصرين ومعلمي المستقبل وطلاب العلاج، بما يكشف فجوات معرفية محددة لدى فئات اجتماعية وديموغرافية وأكاديمية بعينها تحتاج إلى تدخلات موجهة
4، أظهر القاصرون ومعلمو المستقبل تحسنًا ذا دلالة بعد التدخل، إذ بلغت مستويات معرفتهم مستويات مماثلة لمستويات طلاب التمريض، وهو ما يثبت قابلية هذه الفجوات للردم ببرامج تثقيفية مصممة جيدًا
5، حددت الدراسة بذلك خريطة دقيقة للفئات الأقل معرفة بالتبرع بالدم، بما يمكن مخططي البرامج من استهداف جهودهم التوعوية حيث تكون الحاجة أشد
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
يمثل الاستبيان الإسباني للمعرفة بالتبرع بالدم أداة صالحة وموثوقة لتقييم هذه المعرفة، تدعم استخدامه في الأوساط الصحية والتعليمية لإرشاد البحوث المستقبلية واستراتيجيات التثقيف الموجهة، فبفضل بنيته الثنائية وثباته المرتفع يمكن للمدارس والجامعات ومراكز نقل الدم قياس أثر حملاتها التوعوية قبل تنفيذها وبعده بمنهجية علمية سليمة، وتستفيد من هذا النموذج جهات عربية تعمل في التثقيف الصحي إذ يقدم مثالًا تطبيقيًا على تكييف أدوات القياس العالمية مع اللغات والثقافات المحلية والتحقق منها سيكومتريًا، كما يمنح طلاب الدراسات العليا في التمريض والصحة العامة ومناهج البحث نموذجًا متكاملًا لدراسات بناء الأدوات ودراسات التدخل التثقيفي القصير وأثره في رفع المعرفة الصحية لدى الشباب
وتزداد أهمية قياس المعرفة بالتبرع بالدم لدى طلبة المدارس والجامعات لأن هذه الشريحة العمرية تمثل مخزون المتبرعين المستقبليين، فإذا تشكلت لديها معرفة صحيحة منذ وقت مبكر نشأت ثقافة تبرع طوعي منتظم تعوض تراجع المتبرعين الأكبر سنًا وتضمن استدامة إمدادات الدم، ولهذا تحرص الأنظمة الصحية على إدماج التثقيف بالتبرع في المناهج والأنشطة المدرسية والجامعية وقياس أثره بأدوات موثوقة كالأداة التي تتحقق منها هذه الدراسة
وخلاصة القول إن النسخة الإسبانية من استبيان المعرفة بالتبرع بالدم أداة قياس صادقة وثابتة تصلح للاستخدام البحثي والتعليمي، وقد كشفت عن فجوات معرفية قابلة للعلاج لدى فئات محددة، وأثبتت أن التدخلات التثقيفية الموجهة قادرة على رفع معرفة القاصرين ومعلمي المستقبل إلى مستويات متقدمة، بما يخدم قضية التبرع الطوعي بالدم واستدامة إمداداته








