تمهيد
يُعد النشاط البدني المعزز للصحة ركيزة من ركائز الصحة العامة والوقاية من الأمراض المزمنة كالسكري والسمنة وأمراض القلب، وقد أولته المملكة العربية السعودية منذ عام 2016 اهتمامًا متصاعدًا ضمن تحولاتها الصحية والاجتماعية الواسعة، فتتابعت السياسات والمبادرات من قطاعات متعددة لتشجيع السكان على الحركة والرياضة المجتمعية، غير أن هذا التتابع الكمي لا يغني عن فحص نوعي لجودة تصميم هذه السياسات ومدى اتساقها وفعالية تنفيذها واستدامتها، إذ قد تتشتت الجهود بين جهات كثيرة دون حوكمة جامعة، ومن هنا هدفت هذه الدراسة إلى مراجعة سياسات ومبادرات النشاط البدني المعزز للصحة التي قُدمت في المملكة منذ عام 2016 وتحديد الفجوات في تصميمها وتنفيذها، لتقدم بذلك تقييمًا وطنيًا شاملًا يفيد صناع القرار والباحثين في الصحة العامة والسياسات الصحية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة توليفة من الأساليب، شملت مقابلات شبه منظمة مع مخبرين رئيسيين من الجهات ذات الصلة كوزارات الصحة والتعليم والرياضة والسياحة والجهات التنظيمية الأخرى، ومراجعة لوثائق السياسات والمبادرات التي قدمتها هذه الجهات، ودعم تحديد المخبرين الرئيسيين رسمًا لخريطة أصحاب المصلحة قاده خبراء محليون وأسلوبَ كرة الثلج في التعرف المتسلسل على المعنيين، وبنت الدراسة أدوات جمع بياناتها على ثلاثة أطر قائمة، هي أداة تدقيق سياسات النشاط البدني المعزز للصحة التابعة لمنظمة الصحة العالمية، وجرد سياسات النشاط البدني التابع للمرصد العالمي للنشاط البدني، وإطار الرصد الأوروبي لمؤشرات النشاط البدني، بما منح التقييم أساسًا معياريًا دوليًا قابلًا للمقارنة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، حددت المراجعة أربعًا وأربعين سياسة ومبادرة صادرة عن قطاعات مختلفة منذ عام 2016، بما يعكس زخمًا وطنيًا واسعًا في تعزيز النشاط البدني
2، برز الاتحاد السعودي للرياضة للجميع قائدًا في تعزيز النشاط البدني وتطوير الرياضة المجتمعية، بوصفه الجهة الأبرز حضورًا ونشاطًا في هذا الميدان
3، كشفت الدراسة عن غياب أجندة متعددة القطاعات وهياكل حوكمة جامعة لتعزيز النشاط البدني، فتعمل الجهات في مسارات متوازية بلا تنسيق مؤسسي شامل
4، ترتب على التداخل بين مبادرات الجهات المختلفة ازدواجية في الجهود، ومنها مبادرات تشجيع عامة الجمهور على النشاط البدني تقودها في آن واحد الرياضة الاحترافية التنافسية والرياضة المجتمعية القاعدية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير نتائج الدراسة إلى أن المملكة نفذت سياسات ومبادرات عديدة منذ عام 2016 تحتاج الآن إلى تركيز على التحديات والعوائق التي تؤثر في استدامتها، فالانتقال من إطلاق المبادرات إلى ترسيخ أثرها يتطلب أجندة متعددة القطاعات وحوكمة واضحة توزع الأدوار وتمنع الازدواجية وتقيس النتائج، ويمثل النهج القائم على المنظومة سبيلًا لبناء التآزر بين القطاعات وتسريع التقدم في إشراك السكان السعوديين في النشاط البدني، وهي توصية ذات قيمة مباشرة لوزارات الصحة والرياضة والتعليم والبلديات، كما تقدم الدراسة للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في الصحة العامة نموذجًا منهجيًا لتقييم السياسات الصحية بأطر دولية معيارية يمكن تطبيقه على مجالات وقائية أخرى كالتغذية ومكافحة التدخين
وتستحق تجربة المملكة في هذا المضمار دراسة متأنية من زاوية علم تنفيذ السياسات، فهذه المبادرات الكثيرة لم تنشأ في فراغ بل تفاعلت مع تحولات اجتماعية واقتصادية كبرى شجعت الرياضة المجتمعية بمختلف فئاتها ووسعت البنية التحتية للمرافق والفعاليات الرياضية، ودراسة كيفية استثمار هذا الزخم قبل أن يفتر تحدٍّ بحثي وتطبيقي في آن واحد، كما أن بناء مؤشرات قياس وطنية منتظمة لسلوك النشاط البدني لدى السكان شرط لمعرفة أثر السياسات فعلًا لا لمعرفة عددها، فالعدد وحده قد يخدع صناع القرار إذا لم يقترن بقياس مستقل للسلوك والالتزام والتفاوت بين المناطق والفئات، ومن المهم أيضًا إشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني والجامعات في أجندة واحدة متفق عليها، بحيث تتكامل أدوارها بدل تنافسها على المبادرات ذاتها وتكرار جهود بعضها
وخلاصة القول إن تجربة المملكة في سياسات النشاط البدني بين عامي 2016 و2022 تجربة غنية بالمبادرات واسعة الانتشار، وخطوتها التالية الحاسمة هي بناء حوكمة متعددة القطاعات تضمن التنسيق والاستدامة وتحول الزخم الحالي إلى أثر صحي تراكمي في سلوك السكان








