تمهيد
بعد عقد كامل على صكّ مصطلح المنصاتية، تطور معناه من وصف التوسع البنيوي للمنصات الرقمية نحو مجالات أخرى إلى التقاط تحول أوسع في كيفية تنظيم المنصات للحياة الرقمية والحياة بوجه عام، فقد بدأت المنصات شركات تقدم خدمات منفصلة للمستخدمين، ثم تحولت تدريجيًا إلى بنى تحتية تتوسط التعليم والعمل والصحة والإعلام والترفيه وتعيد تشكيل قواعد هذه المجالات جميعًا، غير أن هذا النجاح المفاهيمي للمصطلح عبر التخصصات رافقه ضمور في دقته التحليلية، إذ كثيرًا ما يُخلط بينه وبين مصطلح الرقمنة حتى كادا يترادفان في أدبيات كثيرة، وهو ما يضعف قدرته التفسيرية ويميع حدوده، ومن هنا تتتبع هذه المقالة هذا التحول من الويب الاجتماعي المبكر إلى نماذج المنصات الحالية المتمحورة حول الذكاء الاصطناعي، وتعيد تعريف المنصاتية لاستعادة قوتها التفسيرية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت المقالة إلى تتبع التحول التاريخي والمفاهيمي لمصطلح المنصاتية منذ صكّها قبل عقد، وتشخيص أسباب تآكل دقتها التحليلية، واقتراح إعادة تعريف تضبط حدودها، واعتمدت في ذلك تحليلًا مفاهيميًا تاريخيًا يستعرض كيفية تبني المصطلح عبر التخصصات المختلفة وكيف اتسع مداه حتى اختلط بالرقمنة العامة، واستخدمت مثالين توضيحيين دالين على كيفية تكييف المنصات المستمر لاستراتيجيات توسعها، أولهما إحالة زر الإعجاب الشهير في فيسبوك إلى التقاعد بعد سنوات من كونه رمزًا للتفاعل الاجتماعي الرقمي، وثانيهما مبادرة غوغل لبناء بنية ذكاء اصطناعي فضائية تلتقط الطاقة الشمسية من مدار الأرض، فالمثالان معًا يجسدان انتقال المنصات من واجهات التفاعل الاجتماعي إلى بنى تحتية كوكبية النطاق
ثانيًا: أبرز النتائج
1، تحول معنى المنصاتية عبر عقد كامل من وصف التوسع البنيوي للمنصات في مجالات أخرى إلى وصف تحول شامل في كيفية تنظيم المنصات للحياة الرقمية وتشكيل شروطها
2، أدى تبني المصطلح الغزير عبر التخصصات وخلطه المتكرر بمصطلح الرقمنة إلى تآكل مفاهيمي أضعف دقته التحليلية وقدرته على التمييز بين الظواهر المختلفة
3، تكشف نهاية زر الإعجاب ومبادرة الذكاء الاصطناعي الفضائية أن المنصات تكيف استراتيجيات توسعها باستمرار، فتنتقل من اقتصاد التفاعل الظاهر إلى اقتصاد البنى التحتية الخفية
4، تعيد المقالة تعريف المنصاتية بوصفها شكلًا من التشفير العابر الخاص بالمنصات، أي عملية ظرفية تُهيّأ بها الممارسات والمجالات لتكون جاهزة للعمل وفق منطق المنصات وقواعدها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكمن أهمية إعادة التعريف هذه في أنها تمنح الباحثين أداة تحليلية أدق للتمييز بين الرقمنة بمعناها العام وبين إعادة تشكيل مجال ما تحديدًا على صورة المنصات وشروطها، فليس كل نشاط يُرقمن يصبح خاضعًا لمنطق المنصات بالضرورة، لكن حين تُهيّأ الممارسة لتتوافق مع واجهات المنصات وبياناتها وحوافزها تحدث المنصاتية بمعناها الدقيق، وهي عدسة بالغة النفع للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في دراسات الإعلام والاتصال الرقمي وعلم اجتماع التقنية، إذ تتيح لهم تحليل اختراق المنصات العالمية للتعليم والعمل والخدمات الحكومية في المجتمعات العربية بأدوات مفاهيمية منضبطة لا بانطباعات عامة، وتفتح بابًا لدراسات مقارنة بين سياقات منصاتية مختلفة
ويترتب على هذا الفهم الدقيق آثار تنظيمية وبحثية واسعة، فحين تصبح مجالات كالتعليم والتوظيف والخدمات المصرفية جاهزة للمنصات تتبدل فيها علاقات القوة بين المؤسسات والأفراد، وتتركز البيانات والقرارات الخوارزمية لدى عدد محدود من الشركات العابرة للحدود، بما يثير أسئلة السيادة الرقمية وحماية البيانات وعدالة الوصول التي تشغل الحكومات العربية كما تشغل غيرها، كما أن مفهوم التهيئة الظرفية يتيح للباحث دراسة لحظات التحول ذاتها، أي متى وكيف تقبل مؤسسة ما إعادة تشكيل ممارساتها وفق منطق منصة بعينها، وما الذي تكسبه وما الذي تخسره في هذه الصفقة، وهي أسئلة تجريبية قابلة للرصد الميداني في المدارس والجامعات والمستشفيات الباحثة عن التحول الرقمي السريع في المنطقة وخارجها
وخلاصة القول إن استعادة الدقة المفاهيمية للمنصاتية شرط لفهم عميق لسلطة المنصات المعاصرة، فبتعريفها عملية ظرفية لتهيئة الممارسات والمجالات لمنطق المنصات يصبح بوسع الباحثين رصد هذا التحول وتفسيره ونقده في مجالات الحياة المتزايدة الخضوع لها








