تمهيد
يعد استبقاء الطلاب وتقدمهم المنتظم وتخرجهم في المدة المقررة عناصر جوهرية في نجاح الطالب الأكاديمي عبر التعليم العالي، غير أن الأدبيات التي تحلل هذه السمات في تعليم المهن الصحية ما تزال شحيحة رغم حساسية هذا القطاع وحاجته الماسة إلى كوادر مؤهلة ترفد المنظومات الصحية، وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في دول الخليج التي تستثمر بكثافة في كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان والعلوم الصحية المساندة، وتسعى هذه الدراسة الطولية إلى استكشاف معدلات الاستبقاء والتقدم والتخرج عبر الكليات الصحية في جامعة قطر وتحديد العوامل المتنبئة بها بأدوات التعلم الآلي الحديثة، بما يزود صانعي القرار الجامعي بأدلة قابلة للتطبيق في تحسين مخرجات التعليم الصحي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى حساب معدلات استبقاء الطلاب وتقدمهم وتخرجهم عبر خمس كليات تابعة للمجمع الصحي في جامعة قطر، وتحديد أهمية المتغيرات الديموغرافية والأكاديمية في التنبؤ بهذه النواتج، واعتمدت بيانات طولية ثانوية للطلاب المقبولين في المجمع الصحي بين عامي 2015 و2021 عولجت أولًا بالإحصاء الوصفي لاستخراج المعدلات المطلوبة، ثم بني نموذج تنبؤي بخوارزمية التعزيز التدرجي المعروفة باسم إكس جي بوست بعد تجهيز البيانات وهندسة خصائصها، وتجمع هذه الخوارزمية نماذج ضعيفة من أشجار القرار في نموذج واحد قوي يلتقط العلاقات بين المتنبئات الأولية ونواتج الطلاب، وقدرت درجة أهمية لكل متنبئ بحيث تدل الدرجات الأعلى على تأثير أكبر في الاستبقاء والتقدم والتخرج
ثانيًا: أبرز النتائج
1، شكلت الطالبات القطريات نسبة 88 في المئة من الأفواج المدروسة، بما يعكس التركيبة الفعلية لمجتمع طلاب المهن الصحية في جامعة قطر ويمنح النتائج صدقًا سياقيًا عاليًا عند تفسيرها وتعميمها بحذر
2، أظهرت معدلات الاستبقاء والتقدم عبر فترة الدراسة توزعًا متباينًا بين الكليات والسنوات، وتخرجت غالبية الطلاب من الكليات الصحية في إطار زمني يمتد من أربع سنوات إلى سبع سنوات بحسب طبيعة كل برنامج ومتطلباته
3، احتل أداء الطالب في سنته الأكاديمية الأولى المرتبة الأولى في الأهمية التنبؤية بالاستبقاء والتقدم والتخرج، وجاء معدل الطالب في المرحلة الثانوية في المرتبة الثانية، بما يؤكد أن البداية الجامعية والرصيد المدرسي السابق ركيزتان حاسمتان في المسار الصحي
4، جاءت الكلية الصحية التي ينتسب إليها الطالب في المرتبة الثالثة من حيث الأهمية في التنبؤ بالاستبقاء والتخرج وفي المرتبة الخامسة في التنبؤ بالتقدم، في إشارة إلى فروق مؤسسية وبرامجية بين الكليات تستحق الانتباه والدراسة
5، كانت للعوامل المتبقية أهبة تنبؤية أدنى، وتشمل الجنسية والجنس وما إذا كان الطالب مسجلًا في سنة أولى مشتركة موحدة بين جميع الكليات، وهو ما يوجه الاهتمام نحو الدعم الأكاديمي المبكر بدل التركيز على الخصائص الثابتة للطالب
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
يعد استبقاء طلاب المهن الصحية في جامعة قطر وتقدمهم وتخرجهم ظاهرة معقدة ومتعددة العوامل لا تفسر بمتغير وحيد، وتقتضي جهود رفع هذه المعدلات حزمة متكاملة من الإرشاد الأكاديمي اليقظ ودعم الطلاب وتعزيز انخراطهم وتواصل المؤسسة المستمر معهم، ولا سيما في السنة الأولى التي ثبت أنها مفصلية في تحديد المصير الأكاديمي، وتبرز الدراسة للجامعات العربية وكليات المهن الصحية فيها قيمة خوارزميات التنبؤ بالتعلم الآلي أداة دقيقة لرصد الطلاب المعرضين للتعثر مبكرًا وتوجيه التدخلات الوقائية إليهم قبل تفاقم التعثر، كما تمنح الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا نموذجًا تطبيقيًا لتوظيف البيانات المؤسسية الطولية في تحسين جودة التعليم الصحي وحوكمته في المنطقة
وتزداد قيمة هذه النتائج حين تقرأ في ضوء الاستثمارات الخليجية المتسارعة في توطين المهن الصحية وبناء القدرات الوطنية في الطب والتمريض والصيدلة، إذ يعني كل طالب يتعثر ويتسرب خسارة مركبة للمؤسسة والمنظومة الصحية والمجتمع، ومن ثم فإن أنظمة الإنذار المبكر المدعومة بالتعلم الآلي وبرامج الإرشاد المكثف في السنة الأولى استثمار وقائي عالي العائد تستحق الجامعات العربية أن تتبناه وتقيم أثره بدراسات لاحقة متتابعة
وخلاصة القول إن مستقبل طالب المهن الصحية يتشكل باكرًا إلى حد بعيد، فقد أظهرت الدراسة أن أداء السنة الجامعية الأولى ومعدل الثانوية العامة أقوى المتنبئات بالاستبقاء والتقدم والتخرج، وأن التعلم الآلي قادر على تحويل البيانات الجامعية الراكدة إلى إنذار مبكر وتدخل ناجع، بما يخدم الطالب والجامعة والمنظومة الصحية التي تنتظر خريجيها








