تمهيد
يشهد التعليم العالي في دولة الكويت كما في أنحاء العالم تحولًا رقميًا متسارعًا يعيد تشكيل ممارسات التدريس وأدوار أعضاء هيئة التدريس، غير أن نجاح هذا التحول لا يتوقف على توفر التقنيات وحدها، بل على سلوك المواطنة الرقمية لدى أعضاء هيئة التدريس ونيتهم السلوكية لاستخدام التقنية وجاهزيتهم الفعلية لها، إذ تظل أحدث الأنظمة عاجزة عن إحداث أثرها إذا تلكأ مستخدموها أو افتقدوا الشروط الميسرة لتوظيفها، ويقصد بسلوك المواطنة الرقمية مجمل الممارسات المسؤولة والآمنة والأخلاقية في التعامل مع البيئات الرقمية، من احترام الخصوصية وحقوق الملكية إلى التواصل الرشيد وإدارة الحضور الرقمي، وهو سلوك يتجاوز المهارة التقنية المحضة إلى منظومة قيم واتجاهات تحكم كيفية توظيف الأستاذ للتقنية داخل قاعة الدرس وخارجها، ومن هنا تأتي هذه الدراسة لتقويم فاعلية التقنية في التدريس لدى كليات الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب في الكويت بوصفها دراسة حالة لمؤسسات التعليم العالي الكويتية، مفككة العوامل التي تصنع جاهزية أعضاء هيئة التدريس للتحول الرقمي التعليمي وتربط بين قبولهم للتقنية ومواطنتهم الرقمية وجاهزيتهم المهنية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص سلوك المواطنة الرقمية والنية السلوكية لدى أعضاء هيئة التدريس وعلاقتهما بجاهزيتهم لاستخدام التقنية في التدريس، وانطلق إطارها النظري من أربعة عوامل رئيسة هي توقع الأداء وتوقع الجهد والتأثير الاجتماعي والشروط الميسرة، مفحوصة في أثرها في جاهزية أعضاء هيئة التدريس عبر وساطة كل من النية السلوكية وسلوك المواطنة الرقمية، واختبرت الدراسة ثمانية وعشرين افتراضًا حول العلاقات المباشرة وغير المباشرة بين هذه المتغيرات، وطبقت استبانة على 122 عضو هيئة تدريس في كليات الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب قاست تصوراتهم للعوامل الأربعة ونيتهم السلوكية وسلوك مواطنتهم الرقمية، وحللت البيانات بأساليب إحصائية منهجية لاختبار مسارات العلاقات المقترحة، ويستند هذا البناء الفرضي الواسع إلى تراث نماذج قبول التقنية التي ترى أن تبني الأفراد للأنظمة الجديدة محصلة لتوقعاتهم عن منفعتها وسهولة استخدامها ولما يحيط بهم من تأثير اجتماعي وشروط ميسرة، غير أن الدراسة لا تفترض صلاحية هذا التراث للسياق الكويتي سلفًا بل تعرضه للاختبار الميداني الصارم
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أكدت النتائج ثمانية مسارات دالة من العلاقات بين المتغيرات، مبرزة أهمية مدخلات كالجهد والتأثير الاجتماعي وأثرهما في الأداء بوصفه مخرجًا في تحديد جاهزية أعضاء هيئة التدريس لاستخدام التقنية في التعليم
2، أثارت الدراسة شكوكًا تجريبية حول الافتراضات العشرين الباقية، مقدمة أدلة جديدة تتحدى العلاقات المقررة حاليًا بين قبول التقنية والمواطنة الرقمية، بما يعني أن بعض المسارات المتوقعة نظريًا لم تصمد أمام البيانات الميدانية الكويتية
3، برز توقع الجهد والتأثير الاجتماعي عاملين مؤثرين بصورة خاصة في جاهزية أعضاء هيئة التدريس، إذ يزداد استعداد الأستاذ لتبني التقنية في تدريسه كلما أدرك سهولة استخدامها ووجد دعمًا اجتماعيًا ومؤسسيًا يشجعه عليها من زملائه وإدارته وبيئته المهنية، فليست الجاهزية الرقمية قرارًا فرديًا معزولًا بل ثمرة مناخ تنظيمي وثقافي كامل يحيط بعضو هيئة التدريس وييسر خطواته الأولى نحو التوظيف التعليمي للتقنية أو يعسرها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة رؤى ثمينة حول العوامل المؤثرة في الاستخدام الفعلي للتقنية في مؤسسات التعليم العالي بالكويت، وتوجه صانعي السياسات والممارسين إلى الاستثمار في تخفيض جهد الاستخدام وبناء مناخ اجتماعي داعم بدل الاكتفاء بتوفير البنية التحتية التقنية، كما تدعو إلى إعادة تقويم النماذج القائمة لقبول التقنية والمواطنة الرقمية في ضوء الأدلة الميدانية الجديدة، وللباحثين العرب وطلبة الدراسات العليا في تقنيات التعليم تفتح الدراسة مسارات لاختبار هذه النماذج في بيئات خليجية وعربية مشابهة، ولفحص وساطة النية السلوكية وسلوك المواطنة الرقمية بأدوات قياس أرقى وعينات أوسع تمثيلًا، كما تنبه عمادات التطوير الأكاديمي ومراكز التدريب الجامعي إلى أن برامج تأهيل أعضاء هيئة التدريس رقميًا ينبغي أن تركز على خفض العبء الإجرائي والفني المصاحب لاستخدام الأنظمة الجديدة وعلى بناء جماعات ممارسة مهنية متعاونة، لا على إلقاء المحاضرات التعريفية بالتقنيات وحدها
وخلاصة القول إن جاهزية أعضاء هيئة التدريس في الكويت للتحول الرقمي تصنعها مسارات محددة يتقدمها توقع الجهد والتأثير الاجتماعي، بينما اهتزت مسارات أخرى كثيرة عند الاختبار الميداني، وهو ما يجعل تطوير سياسات التحول الرقمي الجامعي رهينًا بأدلة محلية دقيقة لا بنماذج مستوردة تطبق دون تمحيص








